موهبة تصقل بالدراسة والاستفادة من تجارب الأولين

تفسير الأحلام… علمٌ ينتفع به الدجالون موهبة تصقل بالدراسة والاستفادة من تجارب الأولين

خير الله اجعله خير

الخطورة الحقيقية على المجتمع… تتمثل فيمن يدعون العلم بتفسير الأحلام ويستغلونه لمصالحهم

القاهرة – رشا ماهر:
مع تهافت الكثيرين على تفسير أحلامهم، رغبة في كشف مستقبل أيامهم بما تحمله هذه الأحلام من رموز، امتلأت القنوات الفضائية بمفسري الاحلام، وانتشرت مواقعهم عبر الانترنت والفيس بوك، فاختلط الحابل بالنابل، وأصبحت كلمة الدجالين والمستغلين هي السائدة في هذا المجال ومعها سؤال لازال يبحث عن إجابة وهو: من الذى يستطيع تفسير حلمك دون أن يستغلك ماديا أو معنويا؟.
عن الأحلام والرؤى، كيف نفسر أحلامنا، من يفسرها، هل تفسير الأحلام علم أم دجل، أجرت «السياسة»، هذا التحقيق.
تقول سعاد محمد، ربة منزل: رأيت رؤيا منذ 5 سنوات بشرني المعبر بعد تفسيرها أنني سأنجب توأمين ذكرا وأنثى، رغم استحالة حملي التي أكدها جميع الأطباء إلا أنني تمسكت بالرؤيا واستبشرت خيرا لأنني نمت يومها على وضوء، الحمد لله أنا الآن أما لساجد وساجدة، عمرهما عام، يتمتعان بالصحة، أشكر الله الذي بشرني بمولدهما قبل أربعة أعوام، انتظرت خلالها الفرج إيمانا بالبشرى.
موهبة أم علم
تقول أسماء بدوي، مفسرة أحلام: كانت جدتي لأبى رحمها الله تفسر الأحلام بالفطرة، كذلك أمي، كنت أسمع منهما وأتعلم، فسرت أول رؤيا لي بسن الحادية عشرة، كنت من حين لآخر أفسر لزميلاتي بالمدرسة، أنتقى الكتب التي تتضمن موضوعات خاصة بالأحلام. ساعدني حفظي للقرآن الكريم ورياض الصالحين في التفسير، أدركت أن التفسير له علاقة بعلم النفس، فقرأت عن الأحلام من منظور علم النفس، ثم أدركت أن من الأصول في التفسير، قاعدة التفسير بالاشتقاق، فاتجهت لكلية دار العلوم لأدرس اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ثم أدركت أن علم التفسير يتعلق بالمشكلات الأسرية والتربوية، فحصلت على دبلوم المستشار الأسري والتربوي، هكذا لم أترك باب علم يخص علم تفسير الأحلام إلا ودرسته.
تتابع: بعض الأشخاص لديهم هوس بتفسير الأحلام وقناعة أن كل ما يرى في النوم له دلالة، معنى، رسالة، لابد من معرفتها، وقد ظهر لي أكثر من رؤيا مهمة فسرتها تفسيرات وقعت حرفيا. ومن الرؤى التي فسرتها وتحققت، تولي الرئيس السيسي لفترة ثانية، إصابة عمرو أديب بجلطة قلبية، الفنان محمود عبد العزيز، وفاة الإعلامية صفاء حجازي، تأهل المنتخب المصري لكاس العالم. لافتة إلى أنها تستشف تفسيراتها مما يروى لها من أحلام مثل الحلم الذى رواه لها أحد أصدقاء صفحتها بالفيس بوك عندما رأى نفسه جالسا مع ترامب بالبيت الأبيض ويحاول تنبيهه لأفعال هيلاري ضده، فقال له، لا تقلق، أنا مستعد لها، فمن هذا الحلم استنبطت نجاح ترامب، كما روى لها أيضا أحد الأشخاص أنه رأى علم مصر بجانب علم روسيا وهو ما جعلها تفسر ذلك بوصول مصر إلى كاس العام في روسيا.
تضيف: اختلف العلماء في تحديد ما إذا كان تفسير الأحلام موهبة أم علم يمكن أن يتعلمه الإنسان، لكنني أستند إلى قول الله تعالى في كتابه الكريم، في سورة يوسف، «وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ»، أي أنه علم رباني يهبه الله سبحانه وتعالى، لمن يشاء من عباده، على أن لا يقف الإنسان عند هذه الهبة والمنحة الربانية التي اختصه الله بها بل يجب عليه التعلم وتدارس هذا العلم، ونظرا لعدم وجود كليات أو جامعات تدرس هذا العلم بشكل أكاديمي، هنا يكون البديل هو دراسته على أيدى أشخاص لهم باع طويل فيه، قراءة متعمقة في كتب السابقين والمعاصرين، قراءة ما ورد عن العلم في كل الأمم إن استطاع، هذا جهد يتطلب من المعبر سنوات حتى يتصدى للتفسير، بعد الموهبة والتعلم يأتي دور الخبرة، فالخبرة بمزاولة التفسير تصقل موهبة المفسر، تزيده مهارة وحرفية في تناوله لتعبير الرؤيا، فالموهوب من دون دراسة، تعلم، خبرة، يضيع موهبته بلا نفع، أما التفسير المتفرس فلابد أن يمر بالمراحل الثلاث، لافتة إلى أنها قضت في هذا التخصص 23 عاما ورغم ذلك لا تزال تصيب قليلا، تخطئ كثيرا، فالتوفيق من عند الله وحده.
ولكن هل يجوز للمفسر أن يتقاضى أموالا عن تفسيراته للأحلام؟ أجابت قائلة: اختلف العلماء حول أخذ أجرة على التفسير، فكثير منهم قال أنه لا يجوز، مثل، السعدى وبن جبرين، استندا في هذا الى أنه علم ظني، فكيف يأخذ الأجر على الظن، بعض منهم أفتى بجوازه، مثل، بن فوزان، فقال، يأخذ أجرا على جهده ووقته وليس على تفسيره للرؤيا ذاتها. لذلك أتعامل مع هذا الأمر بأنه إذا طلبني مكان كموقع أو قناة فضائية أو تطبيق اليكتروني لخدمة الناس ونفعهم وتعبير رؤاهم، فالمسؤول هو من يعطيني أجر جهدي ووقتي عنده، مقابل حبس وقتي، الذى أصبح ملكا له، أجرة حبس الوقت أجازها العلماء، بصفة شخصية لا أشترط على أحد أجرا عن طلبه تفسير رؤيا.
وعمن يتهمها بالدجل ترد قائلة: أن اتهامي بالدجل وارد جدا في زمن كثر فيه الدجالون والعرافون، فالناس إذا وفق معبر في تفسير رؤيا أحدثت صدى عالميا، اتهموه بالدجل، هذا ليس ذنبي بل ذنب الثقافة المتدنية عن علم تعبير الرؤى، علينا دور كبير كمعبري رؤى بتثقيف الناس حول أهمية هذا العلم الجميل وتوعيتهم في نفس الوقت بأن كل مجال دخله مدعون ولكل منهم هدفه، منه علم التفسير، فهناك من دخل هذا المجال بهدف المال، الشهرة، ابتزاز الناس وتسخيرهم لهم، خصوصا أن بعض الرؤى والأحلام تكشف أسرارا عن الرائي، شخصيته، أهوائه، أفكاره، حتى وإن أخفاها صاحبها عن المعبر، وهو ما يتطلب الستر وعدم فضح عورات الناس كما أمرنا الله، كذلك يجب عندما نرى انحرافا في الرؤيا أن ننصح صاحبها بتلميح، دون تصريح، برفق ولين، دون أن يعلم أن رؤياه كشفت لنا هذا.

خصوصية دينية
ترى الدكتورة هالة منصور أستاذ علم الاجتماع، جامعة بنها، أن الأحلام لها خصوصية دينية، ذكرها الله تعالى بأمثلة في القرآن الكريم، لكنها بصفة عامة لها ثلاثة أنواع، أولها، تفريغ شحنة اليوم من ضغوطات، مشكلات نفسية وجسدية، الانشغال بأمر معين، عدم الاسترخاء أثناء النوم، هذا النوع لا يوجد له تفسير. أما الثاني، فيقصد به الكوابيس، والتي تعتبر مسا من الجن، الذي يصيب الإنسان في أوقات ضعفه، وفيما يتعلق بالنوع الثالث، فيسمى الرمزي، عبارة عن رموز يراها النائم، يمكن تفسيرها، نتاج لصعود روحه إلى خالقها أثناء النوم، في تلك الرحلة تصادف الروح مجموعة من الأحداث الرمزية تجسد في الرؤيا، لذا فإن علم الاجتماع لا يختلف كثيرا عن نظرة الدين لعلم تفسير الأحلام، لكن الأمر الأشد خطورة يتمثل في ظهور مجموعة من الدجالين ومدعي العلم، يستغلون الناس تحت مسمى تفسير الأحلام.
تعبير ضمني
يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي: إن الأحلام تعبير ضمني عن الواقع الذي يعيشه الإنسان، سيئا كان أو مبهجا، فالأحداث الحياتية التي يمر بها الفرد تكتب السيناريو الفعلي لأحلامه، لا أرى تفسيرا علميا منطقيا آخر يطمئن له قلبي غير ذلك، لا أنكر معرفة البعض لأحداث من الممكن حدوثها مستقبلا وتفسير أحداث مرت عليها سنوات طويلة، لكن علم النفس النظري يبنى على العوام وليس على الحالات الخاصة جدا من أصحاب القدرات الخارقة، التي تستغل في النصب على البشر. وفيما يتعلق بظهور من يدعي أنه يعلم الغيب عن طريق تفسيره للرؤى وظن الناس أن الجن من يخبره، فلا علاقة للجن بذلك من قريب أو بعيد، أقصى ما يستطيع الجن أن يفعله هو تخويف الإنسان في بعض الحالات، بينما مفهوم إخبار الجن للإنسان مجرد ثقافة متوارثة عند السنة من المسلمين، والأرثوذوكس من المسيحيين.

المنظور الديني
يؤكد الدكتور محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن المبدأ العام يقول بأن الرؤيا الحق يراها الشخص واضحة وضوح الشمس، لا تحتاج مساعدة احد في تفسيرها، بل يستطيع الرائي تفسيرها بسلاسة، إذ أن رموزها وأحداثها بسيطة واضحة. وعن ادعاء البعض قدرته على تفسير الرؤى فهو ادعاء يعتمد فيه مدعي التأويل على قرائن يستشفها من حياة الرائي، أما عن ادعاء المفسرين معرفة بعض الأمور الغيبية عن طريق تفسير الرؤى، فهو أمر باطل، فدعوى استنادهم على ذلك بالقرآن باطلة، فالقرآن يستند ويعرض حقائق أو نتائج مستنبطة من حقائق، في حين يعد تفسير الأحلام اجتهادات شخصية، حتى ما سطره ابن سيرين في كتابه لا يعد علما، فالعلم يستند إلى حقائق وقواعد قوية ونظريات لها تطبيقات حياتية واضحة أما ما يدعيه البعض بتفسير رؤى تقع مستقبلا فهو رجم بالغيب.
يضيف: من عرفوا بتفسير الأحلام وتوقع أحداث مستقبلية من خلالها، أراهم من شياطين الإنس الذين يعدون أشد خطورة من شياطين الجن، يجب على من يجتهدون في تفسير الأحلام عدم إظهار أنفسهم للعامة على أنهم علماء وإلا دخلنا في ادعاء الدجل والشعوذة. والخطورة الحقيقية تكمن في أن تفسيرات المعبرين ستصبح تعطيلا للأسباب، فإذا عبرت لشخص ما رؤيا تفيد أنه سيشفى قريبا، يمكن أن يتواكل، يترك علاجه انتظارا للشفاء المزعوم الذي زف المعبر خبره إليه.
أما عن استناد المعبرين لقصة سيدنا يوسف في أن تفسير الأحلام علم يجب البحث فيه، فان سيدنا يوسف وهبة الله له بتفسير الرؤى فكانت منحة لنبي ورسول صاحب رسالة عظيمة، تلك الموهبة كانت سندا له في تخطي بعض الأحداث في حياته لتعينه على رسالته، هي من باب المعجزات التي يختص بها الرسل، بينما ما يحدث الآن يعتبر دجلا، حتى وإن صح التأويل بعيدا عن الدجل، فهو صدفة، الصدفة لا يبنى عليها علم، ولا يجوز تقاضي أجر عن تفسير الرؤى، يجب على الدولة محاربة من يقيفعلون ومون بذلك تحت مسمى علم تفسير الأحلام وربطه بالعلم الشرعي.