تميم اليوم غير تميم الأمس

0 1٬474

أحمد عبد العزيز الجارالله

اليوم، وبعد نحو ثلاث سنوات على بدء الأزمة الخليجية ثمَّة أسئلة تحتاج إلى أجوبة لمعرفة المكاسب والخسائر التي ترتبت عليها.
بداية نسأل: مَن المنتصر مِن ابتعاد الدول المقاطعة عن قطر، أو ابتعاد قطر عنها؟ وهل ما حدث كان مدروساً من تلك الدول؟ كما أن إجراءات قطر ضد الدول الشقيقة هل كانت صحيحة أيضا؟
هناك قاعدة في السياسة الإماراتية مفادها أن الخلافات لا تدوم، وكذلك الوئام قد لا يدوم، وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن ثمة مراجعة لا بد منها تجريها جميع الدول المعنية بالأزمة.
قاطعت الدول الأربع قطر لأسباب معروفة، وقد تكون مبررة، وذلك في عهد ما سمي “الحمدين” فيما كانت هناك ملفات تثير الخلاف، مثل دعم جماعة “الإخوان” وحرية عملها انطلاقا من الدوحة، وتعزيزها علاقات إقليمية مع دول تناصب دول “مجلس التعاون الخليجي” العداء، وهو ما اعتبرته الدوحة تدخلاً في شؤونها الداخلية ومسّاً بسيادتها، واليوم بعد نحو ثلاث سنوات، ثمة منصفون يرون أن متغيرات دولية كثيرة، وكذلك قطرية وإقليمية حدثت لا بد من أخذها بعين الاعتبار.
قطرياً، غاب “الحمدين” من المشهد السياسي، ومعهما غاب نفوذ “الإخوان” وغيرهم أو تراجع، وبات هناك عقل واحد يحكم هو الشيخ تميم بن حمد، فيما لم تعد تنفع معزوفة “الحمدين”، والمستشارين و”الاخوان” ويوسف القرضاوي.
لا يمكن للمراقب المنصف التغاضي عما هو موجود حالياً، أكان لجهة الإعلام القوي والمؤثر في العالم كله، شرقاً وغرباً، حيث من يظهر في حوارات ليقلب الأسود أبيض والأبيض أسود، ويضلل بطريقة ساذجة لا يتقبلها عاقل، فالاعلام أحد أسلحة لعبة الأمم، ومثلا في الولايات المتحدة الأميركية هناك صحف ومنتديات ووسائل إعلام تعتبر أقوى من الأسلحة الفتاكة، فهي تدافع عن وجهة نظرها أحياناً الى حد البذاءة، أو تفتعل هجوماً مغايراً للحقيقة وتوجه الرأي العام وفق ما تشتهي، لذلك حين يوظف الإعلام بطريقة غير صحيحة يكون تأثيره هداماً وسلبياً.
أردت من خلال هذا المثال أن ألفت إلى مسألة مهمة، وهي الحديث عن تأثيرات الأزمة على قطر، اقتصادياً وغذائياً، فمثلاً يعتبر الدخل السنوي للمواطن القطري من أعلى المعدلات في العالم، إذ يصل الى 158 ألف دولار، كما حين أعلنت الدول المقاطعة وقف تصدير المواد الغذائية اليها، عملت على استيرادها من دول أخرى، أكانت تركيا أو إيران، أو الدول الخليجية التي نأت بنفسها عن الخلاف، وحين وقف تصدير الحليب اليها، عملت على بناء أكبر مزرعة، واستوردت 140 ألف بقرة حلوب، وهي حالياً تصدر هذه المشتقات بدلا من استيرادها، وأصبح لديها اكتفاء ذاتي لأحد المشتقات الغذائية المهمة.
هذا في الجانب الاقتصادي، فيما سياسياً استطاع الشيخ تميم بن حمد أن يكسب ولاءات دول كثيرة، ففي الوقت الذي نأت الولايات المتحدة الأميركية بنفسها عن هذا الخلاف، وقالت للطرفين إنها لن تمارس أي ضغط على أي منهما، استمرت بالاستفادة منها، وربما استفادت مالياً من الدول المقاطعة أكثر مما استفادته من قطر.
في العام 2014 عندما نشبت الأزمة الأولى، ووقَّع الأمير تميم بن حمد الاتفاق المشهور، بحضور الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، وشهد عليه صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد، يومذاك اختلى الشيخ محمد بن زايد بالشيخ تميم، وقال له، وفقاً لما نقلته الاوساط المقربة: “السعودية سيفك القاطع، والبلد الذي يدعمك في الشدائد، فهي العزوة”، فخرج تميم ووقع الاتفاق، لكن في تلك المرحلة كان القرار القطري مشتتاً، فحدث ما حدث بعدها.
وأيضا تقول الأوساط: إن بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها الشيخ تميم بن حمد مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في سبتمبر 2017، ثمة الكثير من الأمور تغيرت، اذ بدأت تحسم لمصلحة القرار الواحد.
إذا أردنا أن نجري كشف حساب لمراحل الأزمة، نجد أن حسابات الشيخ تميم بن حمد أعطته القوة، وبات قراره مستقلاً، وحتى على صعيد دعم الأرهاب لم تعد الصورة كما كانت في تلك المرحلة، لذلك نكرر السؤال: من المستفيد أو المنتصر من هذه الازمة، فقطر لم تتضرر بالقدر الذي اعتقدنا، والعكس صحيح، وهي نسجت علاقات قوية مع مختلف دول العالم، وأصبح رأيها مسموعا، ربما ليس بالقدر الذي عليه في دول المقاطعة إلا أن لقطر حضورها.
لعلنا في إعادة النظر بالحسابات نعرف، كما أسلفنا الربح والخسارة، ولعل قادم الايام يضعنا أمام علاقات متوازنة، خصوصا بعدما شبت قطر عن الطوق، فاليوم هي غير الأمس، وهي أقوى معنا ومصدر قوة لنا، كما أننا مصدر قوة لها.
إذا سارت الأمور في المسار الصحيح، ونجحت الوساطة الكويتية في سد الثغرات، فإن قطر ستعود إلى شقيقاتها الخليجيات بقدرات عدة، منها قوة إعلامية مهمة تتحكم بها ولا شك سيستفيد منها “مجلس التعاون” الخليجي.
إن ابتعاد قطر عن الدول الأربع لم يكن طلاقاً بائناً، إنما محطة، فهي كانت موجودة في القمم الخليجية كافة، ولا سيما القمة الأخيرة التي عقدت في الرياض، حيث كل الاستعدادات البروتوكولية كانت توحي أن أميرها الشيخ تميم بن حمد سيكون حاضراً فيها، ما يعني أن كانت هناك خطوة متقدمة في إنهاء الخلاف.
لا يمكن الانفصال عن قطر، فالحقيقة الجغرافية والعلاقات الإنسانية والمصاهرة كلها تؤكد أن لا مفر من عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية، طال الزمان أو قصر، تصديقاً للقاعدة الإماراتية ليس هناك خلافات دائمة، كما أن الود قد لا يكون دائما.
أخيراً، إن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد اليوم غيره عما كان بالأمس، فلقد غاب الكثير من التأزيم مما كان سائداً في الساحة السياسية القطرية، ورغم كل شيء تبقى قطر مهمة لنا.

You might also like