روائية إماراتية تحلم أن تترجم أعمالها إلى لغات العالم

تهاني الهاشمي: نحن نضع خطوطنا الحمر… وبإمكاننا تجاوزها روائية إماراتية تحلم أن تترجم أعمالها إلى لغات العالم

* أدب الرواية في منطقة الخليج أشبه بطفل صغير مازال في مرحلة الحبو والتعثر
* أسعى لايصال كلمتي التي أجسدها في شخصيات متمردة أو مكسورة إلى الوطن العربي

القاهرة – السيد حسين:
الروائية الإماراتية تهاني الهاشمي ترى أن الأدب الإماراتي بحاجة إلى وجود أقلام أكثر جدية لتجسيد أنواع مختلفة من الأدب إلى جانب الشعر النبطي والفصيح. وتكره أن يتم تصنيف الأدب وحيازته لأحد الجنسين، فالأدب أدب في نهاية الأمر، والحَكَم الفاصل لا يكون الا جودته. فلماذا نسعى إلى هذا النوع من المفاضلات. ومعها كان الحوار التالي:
* يقول ماركيز: أكتب حتى يحبني الناس وأكسب الكثير من الأصدقاء «، لماذا تكتبين؟
– لأن الكتابة حياة وتعلمت أن أجيد عيش الحياة كما ينبغي، فكما نأكل لتغذية أجسادنا، وكما نقرأ لتنمية عقولنا كانت الكتابة بالنسبة لي كماء النهر العذب الذي يُطربني صوت خريره ومهما نهلت منه لم يكن ارتوائي الا بنهل المزيد منه. الكتابة كما أراها هي السبيل للنماء والارتقاء الروحي. فلا شيء على الاطلاق يأخذني للشعور بالمعنى الحقيقي للحياة سواها.
* ما الأدب النزيه من وجهة نظرك وما أهدافك الأدبية؟
– لابد أن يجد العمل الصادق والرصين مكانته في كل مكان يطرق بابه، فالأدب يعكس الحُقبة الزمنية التي ينتمي لها ما يعني بأننا نحمل مهمة شائكة في تشكيل التاريخ في مرحلة ما في هذا المضمار فلابد أن ترتقي أعمالنا لتكون مادة فاخرة تُقدم للأجيال الحاضرة والمستقبلية وهذه أمانة لا يُستهان بها مطلقاً. ويكون الأدب نزيهاً اذا وصلت الكلمة إلى القارئ لتفتح له أبواباً للفكر والتأمل، فالمصداقية والاخلاص في تقديم العمل عامل أساسي جداً لتصل رسالته بشفافية وسلاسة لكل من يقرأها، لابد أن تُطعم أعمالنا الأدبية بطاقات ايجابية مُحفزة لتكون دافعاً للالهام والابداع والتغير نحو الأفضل.أما بالنسبة لأهدافي الأدبية فأنا بلا شك في حالة منافسة شديدة مع ما أقدمه من أعمال روائية، أسعى في كل عمل أن أتفوق فيه على عملي السابق، أسعى لأن تصل كلمتي التي أجسدها في شخصيات قد تبدو متمردة أو مكسورة إلى الوطن العربي وربما للعالم بأسره لأنها ببساطة تحمل من كل شخص خصلة ما لتكون مزيجاً خاصاً لتجسيدنا بصورة أوسع وأشمل. لدي حلم يراودني بترجمة أعمالي للغات مختلفة وأتمنى أن تجد رواياتي طريقها نحو هذا الحلم.
* كيف ترين الحالة الأدبية والوضع الثقافي الإماراتي؟
– أدب الرواية في منطقة الخليج أشبه بطفل صغير مازال في مرحلة الحبو والتعثر، آمل أن تجد الرواية نضجها قريباً لتقف على قدميها وتقدم لنا ما يبهرنا ويمتعنا في خطوات واثقة.

السلام
*ماذا عن روايتك الصادرة حديثاً» يا سلام» ولماذا كان اختيار هذا العنوان؟
– روايتي يا سلام صدرت مؤخراً عن دار نشر إماراتية، وهي مداد للنشر والتوزيع، كان أول تداول لها في معرض أبوظبي للكتاب 2016. حملت الرواية أسم «يا سلام» لأن الله سبحانه وتعالى هو السلام، فهذه لفتة صغيرة للرجوع اليه عز وجل. ولأن السلام هو أصعب وأكبر القضايا التي نواجهها في الوقت الحالي. فلو تأملنا قليلاً في نمط حياتنا لوجدنا أن السبب وراء أغلب مشكلاتنا هو غياب السلام.
*رواية (يا سلام) تجسد أغلب قضايا الفساد الذي برزت أعراضه وآثاره في مختلف شخصيات الرواية، ما أدى إلى اختلال توازنها النفسي ووقوعها لاحقاً في فخوخ الاضطرابات السلوكية كيف حدث ذلك؟
– ليس من السهل على الكاتب ان يتقمص جميع الشخصيات التي تضمها صفحات الرواية فما بالك بتجسيد ملامحها النفسية والسلوكية، وهذا ما فعلته في هذه الرواية في محاولة لتسليط الضوء على قضايا الفساد التي ألمت بمجتمعاتنا دون وعي حقيقي لكون بذرة الفساد قد تُزرع ليكون فساداً أخلاقياً او اقتصادياً او حتى انسانياً ليجر من ورائه خرائب لا عد ولا حصر لها، فالقضية الأساسية هي بأن لكل فعل رد فعل، فعلينا فهم طبيعة الأمور جيداً حتى نتمكن من توقع العواقب لاحقاَ.
*صدر لك من قبل روايتان هما (حب في الزحام) و(جرف هار)، كيف ترينهما وماذا الذي تغير على تجربتك الأدبية في رواية «يا سلام»؟
– يصعب على الحُكم على أعمالي. ولكن اذا نظرت للخلف قليلاً يمكنني القول بأن رواية حب في الزحام هي تجربتي الأولى في كتابة العمل الروائي، منها تعلمت بناء افكاري وتنظيمها وصقلها لتكون مشاعر وجملاً وربما دروساً لذيذة تفيد القارئ وتضيف إلى معرفته وخبراته. أما بالنسبة لرواية جرف هار فمازلت أجدها تُمثل نقلة واضحة لي على المستوى الأدبي ففيها الكثير من الوعي بعد ما خضت تجربتي وبدأت أخطو خطوات أكثر وضوحاً وأكثر ثباتاً في «يا سلام» زالت معظم مخاوفي وتغلغلت الشخصيات في عنق محبرتي وانطلقت لتتراقص بحرفية أكبر على السطور لتكون في حالة صراع كبير بين القيم الانسانية والنزاعات النفسية والانقسامات الطبقية والحروب الطائفية التي لوثت حواسنا وبالتالي مكنوناتنا.
*البعض يقول عن كتابتك أنها تميل للواقع والمشاعر الانسانية والواقعية لماذا؟
– لأننا بشر ولأننا دائماً نحتاج للجوء لانسانيتنا لتجسيد حالاتنا كيفما كانت بجمالها او بقبحها. فمرارة الواقع لابد أن تُمزج بحلاوة الشعور،لأن ميزان الحياة ان مال إلى كفة دون أخرى، هوت الرؤي المستقيمة وتشابكت خيوط الشك والباطل بالحق والعدل، فحاجتنا إلى هذا النوع من الاتزان مُلحة.
*هل تركزين على الرواية فقط أم على أجناس أدبية أخرى؟
– في الوقت الحالي أجد نفسي في الرواية لكن هذا لا يعني بأني لا أنوي طرق أجناس أخرى ان داهمتني الفكرة.

هوية
* هل يمكن اعتبار تجربتك بداية مسار ومنعطف وتوجهاً جديداً يساير المحلي من حيث هوية الكاتب وشخصيته ويخالفه من حيث تمثّل المعنى والمضمون؟
– أفخر بهويتي كثيراً وهذا أمر جلي خصوصاً في عملي الروائي الأخير «يا سلام» الذي تطرقت فيه من خلال الشخصيات التي صارعت وتمردت كثيراً للتغريد خارج سرب ما هو متعارف عليه لتعود بملئ ارادتها للثوب الذي نشأت وتربت عليه. ما أكتبه هو حصيلة لمشاهدات اختزلتها ذاكرتي واستثمرها قلمي وفكري فأنا لا أحاول التقيد بما هو متوقع مني لكني اُحلق لأحط في كتاباتي على الأرض الخصبة التي تتوافق مع رؤيتي ومنظوري المتزامن مع المرحلة الكتابية.
*لغتك السردية طافحة وجميلة وسلسة، فهل كان ذلك انعكاساً لدراستك؟
– اشكر لك هذا الاطراء الذي أسعد به. اُعزي هذا الأمر إلى قراءاتي التي أغنت حصيلتي اللغوية ولحبي للكلمة واللغة، فاللغة العربية لغة ساحرة تحمل في بحرها العميق لُججاً من الوصوف والكلمات والتشبيهات التي أتلذذ بقراءتها وكتابتها. وأتمنى أن يجد القارئ متعته معي كما اجدها.
*هل ترين أن مثل هذه الكتابات ذات قيمة أدبية في وسط يميل إلى المحلي أكثر ويتفاعل معه؟ وما قيمة الرواية الأدبية في الوسط الثقافي الإماراتي؟
لا نستطيع ابداً غض النظر عن الأعمال الجيدة لأنها في النهاية تفرض نفسها ولو بعد حين. ومازلنا نسعى جاهدين لتعزيز ذائقة مميزة تجذب القارئ العربي، فرحلة القراءة في الوطن العربي أشبه بالصحوة المفاجئة بعد سبات طويل. مفهوم الرواية لدي البعض لم يتطور كفاية ليدرك المعنى الحقيقي لانشاء هرم الرواية وتخليقه ليكون عظاماً ولحماً ولساناً. يمكن للرواية ان تخترق محيط القارئ لتعيش في عقله الباطن لسنوات وهذه قوة لا يمكن الاستهانة بها.
*كيف تقيمين نفسك ككاتبة وسط نظيراتك الإماراتيات؟ وهل ترين أن حضورك الروائي يضيف لك بصمتك الخاصة؟
– لاشك في ذلك. أعتقد بأني تمكنت من التفرد بأسلوب خاص يحمل القارئ على البحث عن كتاباتي واقتنائها بدون تردد لمجرد أنها تحمل اسمي.
*هل هناك ثمة علاقة بين كتاباتك وحياتك؟
– لا. وقد يكون ذلك دون وعي مني.
*كيف أثرت البيئة الإماراتية على تكوينك الأدبي والثقافي؟
تعلمنا من -المغفور له باذن الله- الشيخ زايد بأن العطاء لا حدود له فقد كان معلماً وقائداً عظيماً يُحتذي به. تعلمنا منه العمل الدؤوب والهمة القوية والاخلاص وهذا ما نسعى لتقديمه دائماً. فكل هذا التطور العمراني والثقافي الذي نعيشه لم يكن لولا النظرة الثاقبة والطموح الذي لا نهاية له. نفخر بأصالتنا وهويتنا وهذا ينعكس على طبيعة الأعمال التي اقدمها بلا شك.
*ما ردك على ما يثار حول تأخر الأدب الإماراتي باستثناء الشعر وانغلاقه على نفسه؟
– اعتقد أن الأدب الإماراتي بحاجة إلى وجود أقلام أكثر جدية لتجسيد أنواع مختلفة من الأدب إلى جانب الشعر النبطي والفصيح.
*ما الأسماء التي تأثرت بها أدبيا وأثرت في كتاباتك؟
في قراءاتي لا أبحث عن الأسماء بل أبحث عن الأعمال التي تجد طريقها إلى عقلي وقلبي. فما يظل هو ما استطاع الكاتب تحريكه في كوامن القارئ.
*هل وصلت الأديبة الإماراتية وصلت لما تطمح اليه ادبيا؟
– لا استطيع تحديد ذلك. لكن عني لم أصل بعد.
*الي أي مدى تعتبرين المرأة قادرة على ايصال أي فكرة؟وما العوائق التي تواجهها؟
ان استطاع الرجل ايصال فكرته فالمرأة بكل تأكيد تستطيع ذلك وبتمكن أكثر لقدرتها الكبيرة على صنع الجمل وتكوينها وتركيبها وذلك حسب ما أثبتته الدراسات العلمية. ولا أؤمن بالعوائق وان وجدت فقد تكون هي من صنعتها لنفسها.
*هل تؤمنين بالنقد وتعملين له حساباً؟
– النقد البناء فقط. أما دون ذلك فأرى فيهم متربصين لفرص النجاح والتألق، وأعمل حساباً لمن يُجيد لفت انتباهي لوجهة نظره.
*بعد كل هذه العقود، أما تزال الكاتبة تحس بقيود وتواجه خطوطا حمر تمنعها من ممارسة حريتها في الكتابة والبوح بجرأة؟
نحن من يصنع خطوطنا الحمر، وبرغبتنا نستطيع تعدي هذه الخطوط ومحو أثرها، ولكن هل من الحكمة ممارسة مالا يرغب الآخرون بادراكه؟ هنا تكمن القضية.
*هل حققت لك الكتابة كل ما تحلمين به؟
ليس بعد. ولا أعلم ان كان في الامكان تحقيق كل ما نحلم به.
*ما حدود طموحاتك الأدبية؟
لا أضع لنفسي قيوداً، فالسماء لا حدود لها وكذلك طموحي.
* لماذا ترفضين تصنيف العمل الأدبي؟
– أكره كثيراً بأن يتم تصنيف الأدب وحيازته لأحد الجنسين، فالأدب أدب في نهاية الأمر، والحَكَم الفاصل لا يكون الا جودته. فلماذا نسعى إلى هذا النوع من المفاضلات؟
*ما رأيك بالجوائز الأدبية؟
– تظل الجائزة جائزة حتى لو كانت أدبية. ولا أنكر بأن تتويج العمل بحصوله على جائزة ما يجعله أكثر انتشاراً وفي الوقت ذاته أجد بأن مرور العمل بين أيدي أهل الاختصاص هو اضافة مميزة للكاتب حتى وان لم يحظي بالفوز بها. فالجائزة الحقيقية هي أن تقرأ لك من يستطيع استيعاب حجم عملك وفهم خباياه.
*ما جديدك؟
– أعيش استراحة محارب وانتظر أن تصلني فكرة جديدة تشدني إلى شواطئ الكتابة التي لا أمل ارتيادها.