تقويم دقيق يضم أسماء الآلهة ويعتمد على حركة الشمس والقمر

توت… أول شهور السنة المصرية القديمة تقويم دقيق يضم أسماء الآلهة ويعتمد على حركة الشمس والقمر

حضارة خالدة

القاهرة- محمد عبد الله:
تبدأ أيام السنة المصرية القديمة، التي تعد من أقدم وأصوب التقاويم من يوم 11 سبتمبر من كل عام، لتكون بداية التأريخ لحضارات البشرية، حيث كان الاعتماد على التقويم النيلي، ومن بعده اعتمد المصريون القدماء التقويم الشمسي، الذي استخدموا فيه الاحداثيات الفلكية الكروية رباعية الأبعاد، الحركة المزدوجة المركبة للشمس والقمر، ليكون أدق وأصوب التقاويم التي عرفها الانسان القديم.
عن التقويم المصري القديم، كيف نجح الفراعنة في حساب الشهور والأسابيع، الأدوات التي استخدموها في رصد الظواهر الكونية والفلكية، مدى دقته، أجرت «السياسة» هذا التحقيق.
يعرف الدكتور محمد بكير، الباحث في علم المصريات، السنة المصرية القديمة بأنها سنة شمسية، ترتبط بشكل مباشر بحركة النجوم والأجرام السماوية، تنقسم إلى 12 شهرا، كل شهر يضم 30 يوما، ثم تليها خمسة أيام لتكملة باقي العام، بمرور الوقت، دخلت تعديلات على هذا النظام وصلت إلى 238 تعديلا، منها اضافة يوم كل أربع سنوات للسنة، بحيث يتم تثبيت بداية السنة مع الفصول في شهر سبتمبر. موضحا أن التقويم المصري القديم وضعه العلامة «توت»، قبل نظيره الميلادي بأكثر من 4000 عام، تقديرا لذلك بدأت أول شهور السنة باسمه «شهر توت»، مشيرا إلى أنه قبل التقويم الشمسي استخدم المصريون القدماء التقويم النيلي، يبدأ بوصول منسوب النيل إلى منطقة معينة ذات قيمة حيوية أو أهمية سياسية، معتمدا على الدورة القمرية الشهرية التي تمكن المصريون القدماء من ترسيم بدايتها ونهايتها بكل يسر وسهولة.
ولاحظ الفلكيون المصريون القدماء اقتران وفاء النيل بظاهرة استمرار ظهور نجم «الشَّعرَي اليمانية» ذي الضوء الساطع، الذي اعتبروه أنثى، أطلقوا عليه اسم «سوبدة»، حسبوا ما بين كل طلوع ثابت وطلوع ثابت آخر للنجم «سوبدة»، فوجدوه 365 يوما، يتضمن اثنى عشر شهرا قمريا وكسورا لا تصل إلى نصف شهر، فأتموا كل شهر قمري ثلاثين يوما، تبقت خمسة أيام اعتبروها أعيادا. كما وجدوا أن السنة تتضمن ثلاثة فصول، فقسموها إلى آخت، « فصل الفيضان»، برت، « فصل الشتاء»، شمو، « فصل التحاريق»، أو فصل الصيف، ولا يزال التقويم الفرعوني يستخدم في مصر، ليس على المستوى الكنسي فقط، بل على المستوى الشعبي أيضا خصوصا في الزراعة.
يضيف: استخدم التقويم المصري القديم الاحداثيات الفلكية الكروية رباعية الأبعاد والحركة المزدوجة للشمس والقمر، استنادا إلى عناصر ارتكاز فلكية ثابتة، كما اعتمد نظام الثلاثة عشر شهرا للعام تكون ثابتة في مدتها، وهي 28 يوما للشهر، كل شهر مكون من 4 أسابيع، يتكون الأسبوع من سبعة أيام، دائما ما تبدأ السنة المصرية بيوم الأحد، لافتا إلى أن المواسم والأعياد والأحداث التاريخية عند قدماء المصريين كانت متزامنة شمسيا، قمريا، فلكيا بشكل ثابت ودقيق للغاية.
وتنسب شهور السنة المصرية القديمة الاثنا عشر إلى أسماء للآلهة المعبودة عند المصريين القدماء، حيث سمي أول شهور السنة باسم «توت» نسبة إلى الاله توت، اله المعارف ومخترع الكتابة، يشتق بابة من اسم الاله «بيتبدت»، اله الزرع، بينما يشتق شهر «هاتور» من اسم الاله آثور، اله الحب والجمال، خصّص «كيهك» للمعبود كاهاكا، فيما يتبع شهر «طوبة» آمون رع، اله نمو الطبيعة، بينما ينسب «أمشير» من اله الزوابع منتو، أيضا ينسب «برمهات» إلى اله الحرارة بامونت، تم تخصيص «برمودة» للاله رينو، اله الرياح القارصة والموت، سمي «بشنس» شهر اله القمر، «بؤونة» شهر اله المعادن خنتي، فيما ينسب «أبيب» إلى هوبا، اله الفرح، وآخر شهر هو «مسري»، يعني ابن الشمس، المخصص لولادة الشمس، أو سطوعها.

مكان النجوم
يؤكد الدكتور حجاجي ابراهيم، أستاذ الآثار بجامعة طنطا، أن الثقافة الفلكية للكهنة والمعماريين المصريين القدماء كانت كبيرة وواسعة، يستدل عليها من طقس «شد الحبل» في الأسرة الثانية، الذي ظهر لأول مرة على كتلة جرانيتية في عهد الملك «خع سخموي» من الأسرة الثانية، اذ كانت تلك الطريقة تعتمد على تحديد موقع نجم «أوريون» أو «الدب الأكبر» باستخدام أداة المعرفة «مرخت»، التي تشبه في وظيفتها آلة «الأسطرلاب»، أداة تحديد النجوم.موضحا أنه كان يتم تحديد أساسات الأهرامات ومعابد الشمس مع الاتجاهات الأصلية الأربعة، كما كان يتم تحديد ساعات الليل من خلال مرور بعض النجوم عبر الخط الرأسي، حيث يحدد مكان النجوم حسب وضعها بالنسبة لجسم الكاهن الذي يقوم بهذه المهمة، ثم تدوّن القراءات في قوائم تقسم لمربعات، تظهر فيها صورة الكاهن جالسا تحيط به النجوم. المعروف أن الكلمة المصرية القديمة الدالة على «الساعة» كانت تخصّص بنجم، ما يؤكد أن حساب ساعات الليل كان يرتبط برصد النجوم والأجرام السماوية.
وقسم المصريون القدماء النجوم إلى نوعين، «النجوم التي لا تفني»، ، أي التي تكون ظاهرة بشكل دائم في السماء، «النجوم التي لا تتعب»، أي النجوم السيّارة. وفي عهد الدولة الوسطي، استطاعوا تمييز خمسة من هذه «النجوم السيارة»، وهي، المرِّيخ «حور الأحمر»، المُشترَي «الذي يحدد القطرين»، زُحَل، »ثور السماء»، عَطارد « معبود ارتبط بالمعبود ست»، الزهرة «الذي يعبر أو رب الصباح»، لافتا إلى أن جميع عمليات البناء وخاصة المنشآت الدينية كانت تبدأ برصد النجوم، الذي ظهر في مناظر وضع أساسات المنشآت المصرية القديمة، مثل الأهرامات، الطقوس الدينية المرتبطة بها، حتى يتمكنوا من معرفة الاتجاه الصحيح للمعبد الجاري تشييده، وغيرها، مؤكدا أن المصريين القدماء تعرفوا على بعض الظواهر الطبيعية السماوية، فرصدوا الخسوف والكسوف، وغيرهما من الظواهر الكونية. كما كانوا حريصين على الاحتفال بعيد رأس السنة الذي أطلقوا عليه «ني- يارؤ» أو «نيروز»، بصناعة الكعك والفطائر، التي كانت تزين بالنقوش، الطلاسم، الرسومات الدينية، كما اتخذ عيد رأس السنة في الدولة الحديثة طابعا دنيويا، له مباهجه ومعانيه، حيث تقدم القرابين للآلهة والمعبودات في نفس اليوم، ثم يقضون بقية الأيام في الاحتفال بالعيد بخروجهم إلى الحدائق، المتنزهات، الحقول في الأيام الخمسة المنسية من العام، تستمر الاحتفالات بالعيد على مدار تلك الأيام الخمسة التي أسقطوها من التاريخ.
ومن التقاليد الانسانية التي سنّها المصريون القدماء خلال تقويمهم «الأيام المنسية»، أن تنسى الخلافات والضغائن، تفض المنازعات، تتم المصالحة بين المتخاصمين، تحل المشاكل بالصفح وتناسي الضغائن، كل ذلك كان يتم ضمن تعاليم وشريعة العقيدة، حيث يطلب الاله من العباد في عيد رأس السنة أن ينسوا ما بينهم من ضغائن، حتى تبدأ السنة الجديدة بالصفاء، الاخاء، المودة بين العباد.
مشيرا إلى أن الاحتفال بعيد رأس السنة المصرية القديمة، في عهد كليوباترا، شهد لأول مرة استعراض الزهور «كرنفال الزهور»، عندما تصادف الاحتفال بعيد رأس السنة مع عيد جلوسها على العرش، استمرت الاحتفالات بعيد رأس السنة حتى بعد دخول الفرس مصر، حيث احتفلوا مع المصريين بهذا العيد الذي أطلقوا عليه اسم «عيد النيروز»، معناه باللغة الفارسية «العام الجديد»، استمر الاحتفال به بعد دخول المسيحية، ما زالوا يحتفلون به حتى اليوم، كما ظلت مصر تحتفل به كعيد قومي حتى العصر الفاطمي.

الأجرام السماوية
يقول الدكتور جمال عيسى، أستاذ التاريخ الفرعوني، جامعة القاهرة، إلى أن التقويم المصري القديم لم يكن يسمح بأي خطأ على امتداد آلاف السنوات، لأنه كان في غاية الدقة التي جاءت من معرفتهم الوثيقة بعلوم الفلك واهتمامهم برصد الأجرام السماوية والنجوم، التي تعد من أبرز ما برعت فيه الحضارة المصرية القديمة، تمكنوا من خلالها من صنع الكثير من المعجزات التي أبهرت جميع الحضارات المتعاقبة عليها وفي المقابل عانت غالبية التقاويم القديمة التي وُلدت مشوهة، مثل التقويم العبري، القبطي، القمري، الجولياني، الجريجوري، من عيوب جسيمة، جعلتهم غير قادرين على أن يؤرخوا لأي حدث تاريخي تأريخا دقيقا، فعلى سبيل المثال، فأن نسبة الخطأ في التقويم الجولياني، يوم واحد كامل كل 128 عاما، ما جعله تقويما غير دقيق. لافتا إلى أن ارتباط معتقدات الفراعنة بالنجوم والأجرام الكونية، دفعهم للاهتمام بالظواهر الفلكية المختلفة، حيث عبدوا الشمس وأطلقوا عليها اسم «رع»، قدسوا الفضاء واطلقوا عليه اسم «شو»، فيما عرف القمر بالاله «تحوت»، كما اعتقد المصريون القدماء أن الشمس عندما تغيب تذهب إلى العالم السفلي، الذي سموه «دات»، موضحاً أن الفراعنة اخترعوا أدوات خاصة للرصد الفلكي وتحديد مواقع النجوم والأجرام السماوية.
وكانت «المركت»، أهم أدواتهم لرصد الظواهر الفلكية وهي غصن بلح قصير وسميك من أحد طرفيه يوجد به شق رفيع، ، هناك آلة أخرى استخدموها للرصد الفلكي، وهي مسطره مربوط فيها خيط في نهايته قطعة من الرصاص حتى يشد الخيط ليصبح عاموديا، تحمل بشكل أفقي وتحدد الساعات عندما يجتاز النجم الخيط العامودي في المسطرة الأفقية، فيما استخدم الفراعنة نهارا للرصد «المزولة الشمسية» لتحديد الوقت. موضحا أنهم أطلقوا على السنين أسماء ورموزا خاصة حملت دلالات تشير إلى الملك الحاكم في تلك الفترة، كما رصدوا أيام السنه الشمسية من خلال ظهورين متتاليين لنجم «الشَّعرَي اليمانية»، الذي ركزوا اهتمامهم عليه لأنه يرتبط بموعد فيضان نهر النيل، حيث تتدفق السيول نحو النيل فيرتفع منسوب المياه فيحدث الفيضان السنوي.
واتخذ الفراعنة النجم «الشَّعرَي اليمانية» كساعة كونية، أحد الأساسيات التي اعتمد عليها التقويم الفرعوني لتحديد موعد قرب حدوث الفيضان، رغم صعوبة رصد نجم» الشعري اليمانية»، ما أثار استغراب ودهشة العلماء في الوقت الحالي، استخدم الفراعنة أيضاً السنة القمرية، عرفوا الشهر القمري من خلال ظهورين متتاليين للهلال، قسموا السنة القمرية إلى أثني عشر شهر، اعتمدوا على التقويم القمري بشكل أساسي لتحديد موعد الطقوس والمناسبات الدينية، مؤكدا أن المصريين القدماء كانوا الأفضل والأمهر فيما يتعلق بالتقاويم وعلوم الفلك.