توسيع المساجد ودراسة العلوم نبوغ المسلمين وعظمتهم في علوم الحياة (24)

0 14

بدأت الحضارة الإسلامية تعرف المدارس منذ القرن الهجري الأول، وكان الداعي لذلك كثرة الحلق التي غاصت بها المساجد، وأول مسجد قد حول إلى مدرسة كان جامع الأزهر عام 378هـ، وقد ملأت المدارس مدن العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء.

إعداد: ميرفت عزت

يوضح د. راغب السرجاني في كتاب” ماذا قدم المسلمون للعالم”،ارتبط تاريخ التعليم في المجتمع الإسلامى بالمسجد ارتباطا وثيقا، فهو المركز الرئيسي لنشر الثقافة الإسلامية وهو أحد أهم دور التعليم. وقد كانت حلق العلم كثيرة، وكانت كثرتها تبعا لتخصص كل حلقة في علم من العلوم، وكانت بعض حلق العلم عظيمة العدد، ومن ثم فإنها كانت تلفت أنظار الوافدين عليها. وكان بمسجد بغداد ما يزيد على أربعين حلقة، وقد اختزلت كلها في حلقة الإمام الشافعي لعلمه الغزير.
كذلك الحال في مصر، حيث كان الإمام الشافعى يلتقي مع طلبة العلم في مسجد عمرو بن العاص، وإلى جانب ذلك فقد اشتهرت بعض الجوامع بتدريس مختلف أنواع العلوم، وتخصص بعض المدرسين للتدريس فيها، كما كان الولاة يعينون البعض الآخر.
وقد كان للمرأة دور لا ينكره أحد في التدريس في حلقات المساجد، وقد سجلت المصادر التاريخية عشرات المعلمات اللاتي جلسن للتدريس، وكان لهن حلق خاصة بهن، وكانت أم الدرداء، واسمها هجيمة بنت حيي صاحبة حلقة في مسجد دمشق، وقد روت عن أبي الدرداء وعن سلمان الفارسي وفضالة بن عبيدة رضي الله عنهم، واللافت أن عبد الملك بن مروان قد أخذ العلم عنها، وكان مواظبا على حضور درسها حتى بعد كونه أميرا للمؤمنين، حيث كان يجلس” في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلغني أنك شربت الطلا بعد العبادة والنسك”.
وقد كان طلبة العلم يقبلون على هذه الجوامع من كل صوب، حيث هيئت لهم جميع الوسائل لأجل مواصلة دراستهم والتفرغ لها، فكانت تجرى عليهم الأرزاق، وتبنى لهم المساكن وتنفق عليهم الأموال ومن بين هذه الجوامع:
الجامع الأموي بدمشق، والذي بناه الوليد بن عبد الملك، وكانت حلقات الدرس فيه مختلفة إذ كان للمالكية فيه زاوية، وكذلك للشافعية، وكان للخطيب البغدادي حلقة يجتمع الناس إليه ليقرأ لهم دروسا في الحديث، ولم يقتصر المنهج فيه على العلوم الدينية، بل شمل العلوم اللغوية، والأدب والحساب والفلك. وجامع عمرو بن العاص بالفسطاط بمصر، وكان به من أربعين حلقة دراسية يؤمها الطلبة للدراسة والبحث، منها حلقة الإمام الشافعي، وفي منتصف القرن الرابع الهجري بلغت حلقاته مائة وعشر حلقات، خصص بعضها للنساء، ثم ظهر نظام الإجازة( الشهادات العالية) حيث يستخدم الطالب بعد الإجازة كتب أستاذه ويمكنه الرواية عنه. يضيف، والجامع الأزهر الذي اكتمل بناؤه في سنة(361ه) وأصبح منارة للطلاب من البلاد الإسلامية، وقد أوقف الخلفاء الأوقاف للأزهر، وعينوا به المدرسين في مختلف أنواع العلوم، ونتيجة للشهرة الفائقة التي امتاز بها جامع الأزهر، وللتسهيلات الجمة التي كان يجدها طلاب العلم.
فقد كان الطلبة يقبلون على هذا الجامع من كل صوب، حتى قد بلغ عدد الملازمين للجامع سنه (818ه/1415م) سبعمائة وخمسين رجلا ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربة ولكل طائفة رواق يعرف بهم.
وقد استمر هذا الجامع مركزا علميا مشعا، يؤدي رسالته عبر التاريخ، فيخرج العلماء وتؤلف به المؤلفات، فكان بحق جامعة للعلم وأهله.
وجامع الزيتونة، بتونس الذي تم بناؤه زمن خلفاء بني أمية، حيث كان المؤسس الأول لجامع الزيتونة الأمير عبيد الله بن الحبحاب والى إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك، وكان لهذا الجامع منزلة سامية لتدريس مختلف أنواع العلوم، قام بتدريسها كبار العلماء، أمثال عبد الرحمن بن زياد المعافري، والإمام المازري وغيرهم.
وجامع القرويين، وتم تأسيس هذا الجامع بمدينة فاس بالمغرب، وفي عهد دولة الأدارسة سنة (245ه/859م)، وفي سنة (322ه/934م) تعهد الأمير أحمد
بن أبي بكر الزناتي من الأمراء الزناتيين توسعته وزيادته، ومع أوائل القرن السادس الهجري تم توسعة الجامع وزيادة مساحته حتى اكتسب شهرة فائقة، وكان الجامع يمتاز بمكانته العلمية الفائقة، فكان طلاب العلم يقبلون عليه من كل صوب للتزود من معينه وكان لهذا الجامع
ميزانية خاصة،نتيجة للأموال الموقوفة، بالإضافة إلى الأموال التي كان يتبرع بها الأمراء وغيرهم، ونتيجة للشهرة الفائقة التي اشتهر بها الجامع، فقد كان طلاب العلم يفدون إليه
من البلاد الأخرى، بل إن طلاب أوروبا أخذوا يقبلون على هذا المعهد العلمي، ومما يذكر أن الأسقف جيربير الذي
أصبح فيما بعد بابا في رومية باسم سلفستر الثاني(999-1003م) تعلم في جامع القرويين بعد أن تعلم في جامعة قرطبة.

You might also like