ثورات الانتحار العربية

ثورة حتى آخر فلس وروح ولهدم آخر بيت، بهذه الكلمات يمكن اختصار المشهد اليوم في العالم العربي بعد التدمير الكامل للدول التي سقطت في فخ ما سمي «الربيع العربي» حين أخذت الحماسة قواها السياسية الى حد الانتحار وأعمتها عن رؤية ما خلفته الثورات السابقة في عدد من الدول العربية.
ماذا استفاد العرب من ذاك الربيع الدموي؟
الاجابة عن هذا السؤال موجودة في الاحصاءات الصادرة عن عدد من مراكز الابحاث العربية والدولية، حيث في أربع دول، وهي العراق وليبيا وسورية واليمن، بلغت خسائر البنية التحتية 900 مليار دولار، يضاف اليها14 مليون لاجئ مشردين خارج دولهم، وثمانية ملايين نازح، ومليون ونصف المليون قتيل وجريح، و30 مليون عاطل عن العمل، بينما كانت الخسارة السنوية للناتج المحلي العربي، وفقا للامم المتحدة 640 مليار دولار سنويا، أي نحو 3.2 تريليون دولار في ست سنوات.
احصاءات الخسائر لا تنتهي عند هذا الحد، فهناك نحو 300 مليار دولار أنفقت على الثورات المضادة، ومثلها على رعاية اللاجئين، فيما وصلت فاتورة الفساد الى 1.2 تريليون دولار، وبدلا من تحقيق العدل والحرية والمساواة، تسببت تلك الثورات ايضا برفع عدد الاميين الى 57 مليون نسمة، يضاف اليهم 14 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس منذ سنوات.
مجموع الخسائر في السنوات الخمس الماضية يصل الى نحو خمسة تريليونات دولار اميركي، هذا ما خلصت اليه الحماسة الثورية والمراهقة السياسية بمصائر الشعوب، فيما فاتورة الخسائر بدأت منذ العام 1952 مع ما سمي ثورة الضباط الاحرار التي فتحت عهد الانقلابات على الانظمة الملكية في عدد من الدول العربية، وحينها بدأ فعليا تحقيق اهداف اسرائيل بتمزيق العالم العربي بأيدي أبنائه.
إن العرب المبهورين بالشعارات الثورية لم ينظروا قبل ست سنوات الى ما انتهت اليه ثورات الامس وكيف تحولت ديكتاتوريات، مطبقة حرفيا مقولة المؤرخة الاميركية باربارا توكمان «كل ثورة ناجحة ترتدي فيما بعد ثوب الطاغية الذي أطاحت به».
يومذاك، للتاريخ، لم تكن بعض الملكيات التي اطيحت طاغية، فمصر فاروق كانت اكثر ثراء وتقدما اقتصاديا وتعليميا من مصر عبدالناصر، وعراق الملكية كان اكثر استقرارا من عراق «ثورة تموز» التي جالت في شوارع بغداد سحلا وقتلا عبثيا، وفي حين كانت ليبيا السنوسي خالية من المعتقلات السياسية تحولت في عهد القذافي سجنا كبيرا، وكثر فيها الاخفاء القسري للاشخاص.
هذه الثورات، القديمة منها والحديثة، هي التي كشفت ظهر العرب، ودفعت ببعض الدول المأزومة الى حضن النظام الايراني الذي لم يخف منذ نجاح ثورة الخميني في العام 1979 هدفه وهو غزو العالم العربي لتقاسم النفوذ فيه مع اسرائيل.
أمام هول الخسائر العربية التي تسبب بها ما سمي «ثورات الربيع» ومع غياب مظلة أمن قومي، وفي ظل الخراب الاقتصادي الكبير، والتمزق تصبح مقولة الكاتب الروسي أندريه بلاتونوف «في زمن الثورة تنبح الكلاب ليلا ونهارا» حقيقة لان عدد اللصوص يزيد ويصبحون أجرأ على السرقة والنهب أكثر من سابقيهم.

أحمد عبد العزيز الجارالله

Leave A Reply

Your email address will not be published.