ثورة الخبز في السودان مختصر مفيد

0 209

أحمد الدواس

لما وصلت الى الخرطوم في 31 أغسطس 1974 للعمل بسفارتنا هناك، استقبلني على أرض المطار زميل في السفارة ثم دخلت مسكني، صُدمت أن الكهرباء مقطوعة، وانها تنقطع ساعات طويلة في اليوم، وبالطبع تنقطع المياه عن المنازل لأن مولدات الحكومة الكهربائية لاتعمل، ولما تنقطع الكهرباء لايستطيع الناس تعبئة سياراتهم بالبنزين ولاقراءة الصحيفتين الرسميتين “الأيام” و”الصحافة”.
ومن صعوبة الحياة أنك لاتجد رغيف الخبز في ساعات الصباح الأولى، ولامحال سندويشات، ولا سوبرماركت، وبالطبع لا مجمعات تجارية، ولا تجد قطع غيار لسياراتك، بل تحاول استيرادها من جدة.
كنا نتمنى أكل النخي أو الباجلة أو الفستق، لكن هيهات ان يتحقق هذا الحلم، وفي ذلك الوقت كانت اجازة السفارة يوم الجمعة، وحتى في هذا اليوم كنا نعمل في غالب الأحيان حيث نذهب للمطار لاستقبال الوفد الرسمي الكويتي الزائر على متن طائرة الخطوط الجوية الكويتية، التي اختارت ان تهبط بالخرطوم يوم الجمعة، أي عملنا يومياً من دون عطلة تقريباً لست سنوات، عذاب ومشقة تلو أخرى، وما خفف عنا هذه المشقة والصعاب وألم الغربة هو طيبـة أهل السودان، فتشعر أنك بين أهلك والكل يحيطك برقة المشاعر.
كنا نستمع الى إذاعة الكويت بوضوح من راديو ماركة “زينيت”، والكويت تبعد عنا مسافة أكثر من ألفي كيلومتر، مع صعوبة الاتصال الهاتفي مع الأهل، ثم تحملنا مخاطر أمنية، كوقوع محاولتي انقلاب ضد الرئيس السوداني جعفر النميري في عامي 1976 و1977، وخرجنا بأمان بفضل من الله تعالى، أما اتصالنا الرسمي في الكويت فكان عبر جهاز اللاسلكي.
هذه المعاناة وقسوة الحياة جعلتني أقول:” لوجرب الناس الحرمان لعرفوا معنى النعمة “، عرفت أننا في الكويت بنعمة عظيمة بفضل الله، عرفت معنى الحرمان من الكهرباء والماء والطعام، والأمر لا يقتصر على ذلك فقط، بل كنا نخرج من تجربة في الحياة الى أخرى، كنا نقرأ الكتب، ونحترم من هم أكبر منا، نتحمل منهم جرح المشاعر. كانت لدينا مشاعر راقية. ان المعدن إذا تعرض للطرق ذهب عنه الصدأ وظهر بريقه لامعـــاً، فكذلك الإنسان إذا تعرض لتجارب الحياة.
مر السودان بزمنٍ طويل من سوء الإدارة الاقتصادية، وفي 19 يناير 2018 وتحت ضغط من صندوق النقد الدولي، اضطر البنك المركزي الى اتخاذ إجراءات لإصلاح الاقتصاد، منها تعويم الجنية بهدف خفض الفارق بين سعره الرسمي والسعر في السوق السوداء، فانخفض سعر الجنية بشدة مقابل الدولار الأميركي، وأصبحت العملة الصعبة نادرة، فانخفض الإنتاج الصناعي بسبب ارتفاع تكاليف العمليات الصناعية، ونقص عرض السلع الأساسية، فأغلقت بعض الصيدليات أبوابها لأن الحكومة تشترط بيع الدواء بأقل من سعر استيراده، وكان السودان قد خسر 75 في المئة من حقوله النفطية لأن معظمها في الجنوب، الذي نال استقلاله عن الشمال في سنة 2011.
هذه الأوضاع أدت الى ارتفاع أسعار السلع فاندلعت الاحتجاجات، وألقى الشعب باللوم على الحكومة لسوء إدارة الاقتصاد والفساد، ماجعلها تحتجز سياسيين وصحافيين وبضعة مئات من المتظاهرين، ومنعت إصدار بعض الصحف التي كانت تغطي أحداث التظاهرات، ولما رفعت الدولة الدعم عن القمح ومنعت استيراده، ارتفع سعر الخبز الى نحو الضعف بين عشية وضحاها، وظهر أثناء هذه الفترة ما يُسمى الحراك الشعبي للمطالبة بتغيير الحكم.
في يوم الأربعاء 19 ديسمبر الجاري خرجت مظاهرات تـُندد بالغلاء وارتفاع سعر الخبز وتردي الوضع الاقتصادي، واصطدم المتظاهرون برجال الشرطة وهم يهتفون” الشعب يريد إسقاط النظام”، وتزامنت هذه الأحداث مع عودة زعيم المعارضة الصادق المهدي من المنفى بعد إلغاء الحكومة قرار إعدامه، أي ان عودة المهدي أعطت زخماً لحرك الشعب، ومن المبكر ان نتكهن بمسار هذا الحراك الشعبي.
السودان غني بموارده الاقتصادية فلديه نهران، نهر النيل قادما من أوغندا، والنيل الأزرق ويتدفق من أثيوبيا، وأراض زراعية ضخمة مع ثروة حيوانية كبيرة، ربما يحتاج الى مؤتمر عالمي يدرس تطويره وتحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي.

You might also like