جائحة”كورونا”… رُبَّ ضارةٍ نافعة

0 240

هل الصورة سوداوية إلى حدٍّ يُفقدنا الأمل؟
في هذا الشأن سأنظر إلى النصف الممتلئ وليس الفارغ من الكأس، وسأعمل في هذه المقالة على مبدأ “رب ضارة نافعة”، فالوضع الدولي الذي سبق جائحة “كورونا” كان معقداً جداً، وأشارت أحداثه إلى مزيد من التوترات، لا سيما في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وما كانت ترخيه من ظلال حالكة السواد على العلاقات الدولية، وانقسام الدول.
اليوم، رغم المأساة الكبيرة التي يعيشها العالم، والكوارث التي يتسبب بها هذا الوباء في دول عدة، غير أن هناك نظرة مختلفة إلى الأمور، ففي الأزمة بدأت خيوط تعاون بين واشنطن وبكين وموسكو، وهبت الأخيرتان إلى مساعدة كثير من الدول لمكافحة الفيروس، فيما باتت مسألة النظام الصحي، التي لم تنل عناية كافية، موضع أهمية كبيرة للدول، بل أصبحت الطواقم الطبية العصب الأساس، ووضعت الجيوش في خدمتها وليس العكس، وأعطيت حرية التصرف بما تراه مناسبا لوقف زحف المرض.
في الأشهر الأخيرة تراجعت الخلافات السياسية إلى الدرجة الثانية أو الثالثة، وتقدم الهم الاقتصادي عليها، لأنه العنصر الأضعف في هكذا وضع استثنائي، فالحمى التي أصابته أضعفت غالبية القطاعات، لذا نرى اليوم تبدلاً في النظرة إلى الصناعات بعدما وجد العالم نفسه أمام تحدٍّ كبير في ما يتعلق بالأجهزة والمستلزمات الطبية، ومن الإيجابيات في هذا الشأن أن بعض الشركات العالمية أسقطت حقوق الملكية الفكرية عن منتجاتها وسمحت للدول بإنتاجها.
لقد وضع هذا الوباء الكرة الأرضية على سكة التغيير، واتجه النظام العالمي إلى نمط جديد مختلف عما سبق، ليس في السياسة والاقتصاد فقط، إنما أيضا في العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
التغيير أيضا ظهر بوضوح في قرارات الحكومات التي لم تلقَ معارضة كبيرة من البرلمانات أو أحزاب المعارضة، لأن الجميع أيقن أن الوقت ليس للمكاسب السياسية الصغيرة أمام وباء يهدد الجميع دون استثناء، لذا وعلى غرار دول كثيرة، للمرة الأولى نشهد في الكويت السلطة التنفيذية تمارس دورها من دون تدخلات برلمانية، بل يقف الجميع خلفها، ويؤيد أي خطوة تقدم عليها.
لكن للأىسف هذا التغيير لم يصل بعد إلى أنظمة لا تزال تعيش في كهوف الظلامية، وتتعاطى مع جائحة “كوفيد 19” على أنها فرصة لتحقيق أهدافها الشيطانية، إذ رغم الدعوة إلى وقف الحروب في العالم، وهي بالمناسبة مؤيدة من دول كثيرة، لا تزال طهران تمارس سياستها العدوانية في الإقليم، فتحاول، مثلا، جرَّ الولايات المتحدة إلى حرب من خلال الاعتداءات على قواعدها في العراق والمنطقة، كما أنها توعز إلى عملائها في اليمن لقصف المملكة العربية السعودية.
هذا النعيق الإيراني ما عاد يقلق العالم المتوحد حالياً لمواجهة وباء لا يعترف بالجنسيات والطوائف والعرقيات، فهو لن يغفر لنظام الملالي خروجه على الإجماع، إذ رغم النقمة التي يواجهها داخلياً لفشله في مكافحة الفيروس، وتركه ينتشر مثل النار في الهشيم بين الأوساط الشعبية الإيرانية، يزيد من تعقيد الوضع عبر استمراره بإرهابه خارجياً.
هنا ربما القدر الذي دفع العالم لتغيير مرئياته، سيدفعه أيضا إلى محاسبة طهران على عدوانيتها، بمعنى أن هذه الضارة أيضا ستكون نافعة، إما لجهة تبديل سياسة نظام الملالي وانسجامه مع التوجهات الدولية، وإما سقوطه بعدما انتشرت فيه أمراض الفشل والقمع ومخالفة أبسط القواعد في التعاطي مع مسألة إنسانية على هذه الدرجة من الحساسية.
نعم، عندما تنتهي هذه الأزمة ستتعلم الأمم الدرس جيداً، بعدما أهملت طوال القرن الماضي دروسا كثيرة كان يمكن أن تمنع كوارث عدة، غير أنها انغمست في أمور تقربها من نهايتها، وليس تطورها إنسانياً كما هو مفترض بعد كل حرب أو أزمة كبرى مرت فيها، لذلك فعندما ننظر إلى الجانب الإيجابي من جائحة “كورونا”، رغم الفظائع التي نشهدها اليوم بسبب فشل النظام الصحي العالمي الذي أصبح الهم الأول للجميع فإننا بلا شكٍّ سندرك جيداً أنَّ رُبَّ ضارة نافعة، لما ستكون عليه البشرية من صحوة عميقة.

أحمد الجارالله

You might also like