جزاء الغدر والخيانة حكايات عربية للعبرة والتسلية 18

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:
جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلا من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

الخيانة من الأمور المذمومة في شريعة الله، وتنكرها الفطرة، ولقد حرمها الله في الظاهر والباطن”، فهي تجمع كل معاني السوء، وعنها يقول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) [الأنفال من الآية:58]، وقال سبحانه: (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف من الآية:52]، بل إنه سبحانه وتعالى قرن بين الخيانة والكفر في قوله جلّ وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ)[الحج من الآية:38]. وهي إحدى سمات النفاق، فالخائن بالضرورة هو منافق، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان” (متفق عليه). وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من الخيانة كما روى أبو داود أنه كان يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة” (رواه أبو داود، والنسائي).ولقد حرم الله على المسلمين الغدر والخيانة حتى مع المخالفين لهم في الدين، وذلك لإشاعة الأمن والأمان والسلام بين الناس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعجل الأشياء عقوبة البغي”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المكر والخديعة والخيانة في النار”. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “ثلاث من كن فيه كن عليه. البغي والنكث والمكر”.
ودائما ما يوقع الغدر أهله في المهالك قال الله تعالى: “إنما بغيكم على أنفسكم” يونس: 23، وقال تعالى: “فمن نكث فإنما ينكث على نفسه” (الفتح: 10)، وقال تعالى: “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله” (فاطر: 43).
ومما يروى عن الغدر يقول ابراهيم شمس في كتابه “قصص العرب ” حلف محصد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام، وهما وليا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس أجد نفسي أن أمري لا يتم، فقلت له: ولم ذلك؟ عز الله الأمير قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره.
وورد في أخبار العرب أن الضيزن بن معاوية بن قضاعة، كان ملكاً بين دجلة والفرات وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالجوسق وبلغ ملكه الشام فأغار على مدينة سابور في الأكتاف، فأخذها وأخذ أخت سابور وقتل منهم خلقاً كثيراً، ثم إن سابور جمع جيوشاً وسار إلى ضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثم إن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فخرجت من الربض وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته وأرسلت إليه تقول: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكمك، فقالت: عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها، وكان ذلك طلمساً لا يهدمها إلا هو، ففعل ذلك فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن، واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها، فلما دخل بها لم تزل ليلتها تتضرر وتتململ في فراشها وهو من حرير محشو بريش النعام، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس التصقت بعكنتها وأثرت فيها، وقيل: كان ينظر إلى مخ عظمها من صفاء بشرتها، ثم إن سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها. وقيل: إنه أمر رجلاً فركب فرساً جموحاً وضفر غدائرها بذنيه، ثم استركضه فقطعها قطعاً قطعه الله ما أغدره.
وتقول العرب: جزاني جزاء سنمار، وهو أن أزدجرد بن سابور لما خاف على ولده بهرام وكان قبله لا يعيش له ولد سأل عن منزل صحيح مرء فدل على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وهو عامله على أرض العرب وأمره أن يبني له جوسقاً فامتثل أمره، وبنى له جوسقاً كأحسن ما يكون وكان الذي بنى الجوسق رجلاً يقال له سنمار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه فقال: لو علمت أنكم توفوني أجرته لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث دارت، فقالوا: وإنك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق فتقطع، فكانت العرب تقول: جزاني جزاء سنمار.
ويحكى أن قوم خرجوا لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجؤها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه، فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها، وأنشد يقول:
ومن يصنع المعروف مع غير أهله
يلاقي كما لاقى مجير أم عامر
أعد لها لما استجارت ببيته
أحاليب ألبان اللقاح الدوائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكنت
فرته بأنياس لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من
يجود بمعروف على غير شاكر
وحكى بعضهم قال: دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب. فقالت: أتدري ما هذا؟ فقلت: لا، قالت: هذا جرو ذئب أخذناه صغيراً وأدخلناه بيتنا وربيناه، فلما كبر فعل بشاتي ما ترى، وأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قومي
وأنت لشاتنا ابن ربيب
غذيت بدرها ونشأت معها
فمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء
فلا أدب يفيد ولا أديب

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 − إحدى عشر =