كان سكانها يعبدون إلهاً واحداً في العام 40 ألفاً قبل الميلاد

جزيرة العرب… مهد التوحيد والحضارة والقيم الإنسانية كان سكانها يعبدون إلهاً واحداً في العام 40 ألفاً قبل الميلاد

بقلم – أحمد محارب الظفيري:
كان العرب في الجاهلية – والجاهلية لفظة مجازية لا تعني الجهل وانما تعني العرب قبل الاسلام قبائل بدوية تتجول في بوادي جزيرتها فهم اصحاب نجعة وانتواء وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث وتذكر تواريخ اليونان والرومان والفرس ان العرب جيل من الناس نشأ وظهر في شبه جزيرة العرب وهذه شبه الجزيرة اخذت اسمها من العرب فهي عربية ولسان اهلها عربي ولغتهم عربية والنسبة الى العرب عربي واثبت علماء الغرب المتخصصون في اللغات الشرقية القديمة اللغات السامية وفي علم الجيولوجيا طبقات الارض وفي التاريخ القديم والاثار القديمة ان الحضارة الانسانية عاشت ونمت في شبه الجزيرة العربية لانها كانت بقعة خضراء ممطرة خلال الدورة الجليدية الرابعة التي ابتدأت في سنة 40 ألفاً قبل الميلاد وكانت الانهار تخترق جزيرة العرب متدفقة بالمياه، فعاش البشر في بحبوحة من العيش الرغيد يقتطفون ثمار الحياة في هذه البيئة الخضراء بكل يسر وسهولة فسبحان رب العزة والجلال القائل في محكم كتابه العزيز «وجعلنا من الماء كل شيء حي» واثبتت النقوش والاوابد الاثرية ان البشر في جزيرة العرب خلال تلك الفترة الباردة الممطرة التي ابتدأت في سنة 40 ألفاً قبل الميلاد وانتهت في 18 ألفاً قبل الميلاد التي يسميها العلماء بدورة جليد فارم وهي الدورة الجليدية الرابعة ويسميها العرب في موروثاتهم وحكاياتهم بعصر الفطحل ديانتهم التوحيد فهم يعبدون الرب الواحد الأحد ولا يشركون معه احداً ويسمون هذا الرب إيل وإيلا وهو قريب من نطقنا الحالي الله وإله ولم تتشوش العقائد وتنحرف العقول عن جادة الصواب الا في نهاية الدورة الباردة ودخول الدورة الحارة الجافة التي مازلنا نعيش في اجوائها حتى اليوم.
وجاء في كتاب الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية الجزء الاول ص 64 ما نصه وشبه الجزيرة كانت في العصر المطير عصر البليوستوسين ذات مروج وانهار وغطاؤها النباتي كثيف جداً وحينما بدأ عصر الجفاف نتيجة عوامل طقسية مختلفة فكر السكان في النزوح الى شمال الجزيرة وشرقها وهكذا بدأ عهد الهجرات التي تتالت من قلب الجزيرة على شكل موجات بشرية مختلفة.. انتهى.
وعصر البليوستوسين هو اسم اطلقه العلماء على الدورات الجيدية الاربع دورة جنز ومندل ورس وفرم وجاء في الحديث النبوي الشريف: لا تقوم الساعة حتى تعود ارض العرب مروجاً وانهاراً.
تغير المناخ من بارد ممطر الى حار جاف جعل العرب بدواً رحلاً وبعد ان انحسرت دورة الامطار والبرودة التي استمرت من 40 الفاً ق.م الى 18 الفاً ق.م وحلت محلها دورة الجفاف والحرارة (الدورة الدفيئة) تغير نمط الحياة والنشاط البشري للعرب سكان الجزيرة فتحولت القبائل العربية القديمة «عاد» و»ثمود» و»العمالقة» و«مدين» و»حضرموت» و«طسم» و«جديس» و«جرهم الاولى» من الحضارة والمدنية التي عاشها اسلافهم الى عصور البداوة والترحال وما يرافق هذه الحياة من تربية الحيوانات وتدجينها وتأنيسها ودخل الجمل والناقة لأول مرة في حياتهم البدوية، وأصبحت الابل هي العروة الوثقى التي تقوم عليها حياتهم المتحركة والمتجولة لانتاج المرعى وارتياد الكلأ (العشب والشجر) وتتبع مساقط الامطار «الغيث» ، فهم يرحلون من نجعة الى نجعة ومن مرعى الى مرعى وبقي العرب عدة ألوف من السنين في هذه الحالة من البداوة والترحال في اصقاع جزيرتهم ويتكلمون لغة واحدة هي (العربية) وفي حدود الالف السادس قبل الميلاد ابتدأت مجاميع بشرية كبيرة جداً ومن هذه القبائل العربية بالهجرة الى بلاد الشام وسواحل الخليج العربي وبلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات) وسواحل البحر الابيض المتوسط ووادي النيل، وبقي من هذه القبائل العربية القليل الذي لم يغادر جزيرته وتحمل من بقي منهم في الجزيرة شظف العيش وحياة البداوة والترحال، وظلت محافظة على نقائها وصراحة انسابها، وفصاحة لسانها، اما المجاميع الكبيرة التي هاجرت الى البلدان المجاورة فانها تحضرت مع مرور الزمن وكونت ممالك حضارات فجر التاريخ وظهرت لنا باسماء جديدة «الكنعانيون» و»الفينيقيون» والعموريون» و«الاكديون» و»البابليون» و«الاشوريون» «والآراميون» و»الكلدانيون» و»العبرانيون» وأخذوا يتكلمون لهجات متعددة نابعة من لغتهم الام العربية التي حملوها معهم من جزيرة العرب منذ الاف عدة من السنين، اما اولئك العرب البدو الذين لم يغادروا جزيرتهم تكيفوا مع حياة الصحراء فسكنوا بيوت الشعر «الأخبية» وبيوتهم تقام على العمد، جمع عمود، فهم عرب عمد بمعنى اهل بادية، وهذا البيت المبني على العمد عندهم موضع الشرف في النسب والحسب، يقولون: فلان طويل ورفيع العماد في الزمن الذي كانت فيه جزيرة العرب تعيش في الدورة الجليدية الرابعة التي يسميها العلماء دورة جليد Wurm من سنة 40 الفاً ق. م الى سنة 18 الفاً ق. م كانت الاجواء في الجزيرة باردة رطبة والامطار تسقط بغزارة والانهار تخترق ارضها لتصب في البحار المحيطة بها، فنمت الحضارة الانسانية الاولى على ارضها وعاش البشر بخير وامان يعبدون الرب الواحد ويسمونه (إيل او إلله).
اما قارة اوروبا فكانت جبال الثلوج تغطي معظم اراضيها حتى خط عرض 45 درجة شمالاً في قارة اوروبا وأميركا الشمالية، اما منطقة الهلال الخصيب التي تحيط بحدود جزيرة الشمالية والشرقية وتشمل سورية ولبنان وفلسطين والاردن والعراق فكانت مغطاة بصفائح من الثلوج تحد من حركة البشر وتجعلها صعبة. وعندما اخذت الدورة الدفيئة الحارة الجافة تزحف على جزيرة العرب منذ 18 الفاً قبل الميلاد تلاشت البرودة وأحس العرب بوطأة الحرارة في الالف السادس قبل الميلاد وهم في هذا الوقت بدو رحل، فهاجر الكثير منهم على شكل موجات متتابعة الى بلدان الهلال الخصيب لأن ظروفها المناخية تحسنت، بينما الجزيرة السعيدة، اصبحت صحارى قليلة المطر حارة جافة وأنهارها العملاقة صارت ودياناً يابسة (احواض جافة) تعج بالقواقع والودع والاصداف والحصى والصخور الرسوبية، وكنا أيام الصبا والشباب نلتقطها ونلعب بها، وعندما درسنا وتعلمنا عرفنا ان هذه الملتقطات تقول لنا ان هذا الوادي كان مجرى نهر غزير المياه في زمان الدورة الجليدية الرابع التي مرت على الكرة الارضية وتسمى هذه الدورة Wurm Cycle دورة فرم والعرب في مروياتهم وحكاياتهم يسمونها (عصر الفِطَحْل) بكسر الفاء على وزن الهِزَبْر، وهذا العصر في موروثات العرب واساطيرهم هو عصر الامطار والربيع الدائم والسيول العارمة والخصب والغابات الكثيفة والحيوانات المختلفة الالوان والاجناس. والعالم الذي اطلق مسمى الهلال الخصيب على البلدان التي تحيط بالجزيرة العربية على شكل هلال او قوس هو المؤرخ المعروف البروفيسور جمس هنري برستيد استاذ تاريخ الشرق ورئيس دائرة اللغات والعلوم الشرقية في جامعة شيكاغو وعضو اكاديمية العلوم في برلين ومؤسس (المعهد الشرقي في شيكاغو) وصاحب الكتاب القيم الثمين الذي اشتهر به برستيد وهو كتاب (العصور القديمة) وفيه يقول: ان الهجرات البشرية المتعاقبة جاءت من جزيرة العرب واستوطنت بلدان الهلال الخصيب وكونت حضارت فجر التاريخ كالحضارة الكنعانية والاكدية والآرامية واصلهم من جزيرة العرب.
والآن سنحاول ان نرتب المجموعات البشرية الكبيرة المهاجرة من جزيرة العرب, بعد ان تغير مناخ الجزيرة العربية من البرودة والامطار الى الحرارة والجفاف, وليكن معلوما ان هذه المجموعات او القبائل المهاجرة الى بلاد وادي الرافدين وبلاد الهلال الخصيب ومصر لم تكن تحمل المسميات التي عرفت فيها فيما بعد وانما سميت بهذه المسميات بعد ان توطنت في بلدانها الجديدة وتحضرت وكانت قبل ذلك متبدوية متنقلة في اطراف الجزيرة لمئات من السنين.
1- الأكديون: ومنهم «البابليون» و»الآشوريون»: استقروا في وادي الرافدين في الالف الرابعة. ق.م, وجاء اسم «الاكديون» نسبة الى اسم عاصمتهم التي شيدوها المسماة «اكد» او «آكاد» أو «وكاد» لاحظ انها تكتب بصيغ عدة لعدم وجود حركات اعرابية على كلماتهم, والاسم جاء في اللغة العربية تقول: أكد ووكد العقد والعهد فهو ايكاد وكاد.. اما «البابليون» فجاء اسمهم نسبة الى مدينتهم «بابل» وتكتب بلغتهم التي وصلتنا على الرقم الطينية هكذا «باب ايل» اي «باب الله» و»ايل» عندهم هو «اله او الله» وآثار بابل القديمة تقع في محافظة بابل «الحلة سابقا» في وسط العراق. اما «الآشوريون» فتسموا بهذا الاسم نسبة الى مدينتهم «آشور» وتقع آثار آشور القديمة بالقرب من مدينة الشرقاط في شمال العراق, ويقال ان اسم مدينة الشرقاط الحالية اصله القديم آشوري هو «آشورقاطو» او «آشوربرتو» وتعني «بلاد آشور» او «ارض آشور» والههم «صنمهم» الذي يعبدونه هو «آشور» كما يذكر بعض علماء الآثار واللغات السامية, ولو رجعنا الى لغتنا العربية التي هي اللغة الحية والوريث الشرعي لكل اللغات السامية المنقرضة لوجدنا:
الشور: العسل المشور اي المستخرج من موضعه, والشور: الحسن والزينة, واشار وشور: أومأ ولوح بيده او أشار عليه بأمر, وشور به: فعل به فعلا قبيحا, والشور: متاع البيت. وشير: في اللغة الآرامية والفارسية اسم للاسد, وعاشوراء وعشوراء: هو اليوم العاشر من شهر المحرم, ومجازا يطلق على الشهر اسم «عاشور» وهو شهر مقدس عند الاقوام السامية, ويوجد في شمال العراق قوم يقال لهم الآشوريون وهم من العرب النصارى ومن بقايا الاشوريين القدامى.
2- الكنعانيون: ومنهم «الفينيقيون» و»العموريون»: وقد استقروا في بلاد الهلال الخصيب ووادي الرافدين خلال الالفين الثالثة والثانية ق.م, ويرجح بعض المؤرخين العرب والاجانب بأن اصلهم القديم يرجع الى العرب العاربة القديمة «العمالقة» وورد ذكر الكنعانيين كثيرا في التوراة وحروبهم مع الاسرائيليين «العبرانيين قبل التوراة» وأسس الفينيقيون مملكة ذات حضارة متقدمة في لبنان مازالت آثارها باقية حتى اليوم وتحركوا من لبنان الى شمال افريقيا بواسطة السفن واسسوا هناك ممالك حضارية ووصلوا الى الموانئ الاوروبية بسفنهم المتطورة ونقلوا البضائع والتجارات وكان الفينيقيون هم الامة الحضارية المتنورة في ذلك الزمان البعيد, والههم الكبير الذي يعظمونه هو «ايل» والكلمة قريبة من لغتنا العربية «اله أو الله أو اللاه» وللكنعانيين وفروعهم الاخرى اله يعبدونه اسمه «بعل» وهو عندهم اله الخصوبة والمطر, ويسمون ارضهم بأرض بعل, ونحن حتى هذا اليوم نسمي الارض التي تسقى بماء المطر بـ»الارض البعلية» والمزروعات التي تعتمد على المطر نسميها بـ»المزروعات البعلية» وعرب الجاهلية الذين ادركهم الاسلام كان عندهم صنما يعبدونه اسمه «بعل» لذلك خاطبهم رب العزة والجلالة قائلاً لهم: «أتدعون بعلاً وتذرون احسن الخالقين», وأصل بعل في اللغة البابلية والاشورية هو: «بع ايل» بع بمعنى مطر, وايل بمعنى اله. فيصبح معنى الكلمتين: «اله المطر» ونحن حتى هذا اليوم نطلق على زوج المرأة اسم «بعل المرأة» اي سيدها وربها, والفينيقيون اوجدوا افصح ابجدية في ذلك الزمان ونظن ان اسمهم جاء من «التفيهق» وهو التوسع والتنطع والاجادة في اللغة.
3- الآراميون: وفرعاهما «الكلدانيون» و»العبرانيون»: ولقد استقروا بعد مئات السنين من حالة التبدوي والتنقل في بوادي جزيرة العرب في كل مناطق الهلال الخصيب وبلاد ما بين النهرين في النصف الثاني من الالف الثانية ق.م, وبعض المؤرخين يجعل استقرارهم وتحضرهم في بداية الالف الثانية قبل الميلاد.
والآراميون جاء اسمهم من «إرم» الذي هو اسم قبيلة عاد الاولى وقيل «ارم» هي عاد الاخيرة, وكانت منازلهم في «الاحقاف» – القسم الجنوبي من رمال الربع الخالي, وهم جماعة نبي الله هود, وقال تعالى في سورة الاحقاف من الآية رقم «21«: (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف) أخا عاد هو نبي الله هود وجاء في معاجم اللغة والبلدان العربية ان «ارم» هي بلدة قبيلة عاد وعاصمتها وذكر ياقوت الحموي (ت 626هـ / 1228م) كلاما عجيبا عن بلدة «ارم» وعن «جنة شداد بن عاد» المبنية في ارم والمدفونة في رمال الاحقاف, ومازال عربان البوادي في جزيرة العرب يرددون في القصص الاسطورية عن شداد بن عاد وجنته حتى هذا اليوم, قال تعالى في سورة الفجر, الآيتان 7 و8(إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد).
الكلدانيون: فرع من الآراميين وهم من القبائل البدوية العربية التي مارست حياة البداوة والتجوال بعد انحسار فترة البرودة والامطار «فترة عصر الفطحل» وزحف فترة الحرارة والجفاف على مناخ جزيرة العرب, وبعد مئات السنين من الترحل, ومنذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد اسسوا لهم ممالك على سواحل الخليج الكلدي «الخليج العربي» وفي جنوب العراق, عاش ابراهيم الخليل وترعرع في مدينة «اور الكلدان» التي تقع اطلالها قرب مدينة الناصرية في جنوب العراق, وفيها بدأ دعوته الى التوحيد وعبادة الاله الواحد, فلم يجد استجابة من قومه, فتوجه مع اصحابه المؤمنين بدعوته الى ديار كنعان – اي ديار فلسطين – وعبروا في طريقهم نهر الاردن فتسموا بـ»العبريين او العبرانيين» وهو الرأي الارجح, وبعض المعاجم والمراجع العربية تقول: العبريون او العبرانيون: هم جماعة نبي الله ابراهيم وهم من ذرية عابر بن ارفخشذ بن سام بن نوح, والعبرانية او العبرية هي لغة العبريين – بعد مجيء الديانة اليهودية صارت العبرية لغة اليهود, والالهة «الاوثان والاصنام» التي عبدها الآراميون هي ذاتها التي عبدها الكنعانيون اضافة الى بعض النجوم والكواكب.
باحث في التاريخ والتراث

Print Friendly