الدجالون والسحرة يستغلون عواطف البسطاء ويخدعونهم

جلب الحبيب… سعادة وهمية يلهث وراءها الفاشلون الدجالون والسحرة يستغلون عواطف البسطاء ويخدعونهم

عمل

القاهرة- شيماء عطية:
ما كنا نراه خيالا مضحكا على شاشات السينما، أصبح اليوم واقعا مؤلما، فبعد أن سخرت الأعمال الفنية من السحر بجميع أنواعه وصوره ومنها جلب الحبيب في أفلام نذكر منها على سبيل المثال (يا انا يا خالتي، حبيبي نائما، .الخ)، أضحت شاشات الفضائيات محطة للترويج له بعرض اعلانات تجارية لمن يشتهرون بهذا النوع من السحر، وهو ما حقق رواجا ملحوظا في الفترة الأخيرة، ووصل الأمر لوجود بعض الاعلانات التي تؤكد أمكانية جلب الحبيب في 24 ساعة، بل هناك من يقول بأنه يتم الجلب أثناء أول اتصال تليفوني، وبالطبع يهرول الشباب والفتيات إلى السحرة والمشعوذين، خصوصا مع تأخر سن الزواج وزيادة العنوسة وارتفاع معدلات الطلاق وارتفاع تكاليف الزواج وغيرها من الأسباب التي تقف عائقا أمام اتمام هذا المشروع.
عن أسباب تزايد الاعلانات عن سحر جلب الحبيب ودور المجتمع في انتشاره، والتقييم النفسي لطالب هذا النوع من السحر، وحكم الدين، كيف يتم الجلب ونسب نجاحه. يدور تحقيق « السياسة « مع عدد من المختصين.
يقول الشيخ محمد عبدالجليل المعالج الروحاني بأن أصل السحر يبدأ بجلب الشيء دون رغبة من صاحبه، حيث أنه يمثل قوة أكبر من الجالب للمجلوب، وحتى يتم ذلك يحتاج الساحر إلى «اسم الشخص المجلوب واسم والدته، اضافة إلى شيء يخص المجلوب مثل صورته أو شعرة من رأسه أو قطعة من ثيابه». مشيرا إلى أن أي متطلبات أخرى من الساحر، ما هي الا مماطلة منه بهدف الحصول على أكبر ربح مادي.
وعن المدة الزمنية التي يمكن فيها للساحر أن يجلب الحبيب، أكد بأن ذلك يتوقف على مهارة الساحر وحنكته، فقد تكون ساعة وقد تصل إلى أسبوع، محذرا من السحرة المحنكين، فمنهم من يستغل الشخص الجالب في عمل جلب له شخصيا، أي يتحول على يد الساحر نفسه إلى ضحية، وذلك بهدف انعاش سوق العمل، وهنا يصبح الجالب كالخاتم في أصبع الساحر وخصوصا لو كانت امرأة، ويظل تأثير السحر قائما وفعالا طالما لم يقم أحد بابطاله سواء من خلال ساحر آخر أو الساحر نفسه اذا طلب منه الجالب ذلك.
وعن نسب نجاح الجلب، اضاف عبدالجليل: هذه النسبة لا تتعدى 1 في المئة حيث يقول الساحر «ها أنا قد أخذت بأسباب الشر «، لكن النجاح والفشل بيد الله وحده، ويكون هذا النوع من السحر أقرب إلى الفشل اذا الشخص المجلوب أكثر قربا إلى الله ومحصنا بالقرآن والسنة ومواظبا على الذكر والعبادات، هناك يكون تأثير السحر عليه ضعيفا، على عكس غير الملتزم الذي يسهل على الساحر التأثير عليه وجلبه بسهولة وفقا لمهارته، لذا نجد أغلب من يلجأ إلى هذا النوع من السحر هم أصحاب النفوس الضعيفة بغية الحصول على حب زائف لم يستطيعوا الوصول اليه بالطرق الصحيحة.

أسباب واهية
يصف الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، طالب هذا النوع من السحر بأنه وصل في اليأس إلى مداه واستنفد كل الحيل تجاه من يحبه ولم يفلح في الوصول اليه، نتيجة مشكلات مجتمعية واقتصادية أدت إلى تعثر الزواج، وهذا شائع في مجتمعاتنا الشرقية وبدلا من التفكير بطريقة نقدية أو تحليلية للمشكلات، والانتباه إلى الأسباب الحقيقية التي أدت اليها ومحاولة علاجها، يتم الاكتفاء بترديد عبارات مثل «أمري لله، ده نصيبي، أروح لشيخ يعملي عمل»، وغيرها من الجمل التي تعتبر آلية دفاع يلجأ اليها الضعفاء نفسيا بعد الفشل، تماما كمن يضع كل فشله على شماعة القضاء والقدر، وكل ذلك يعتبر في حد ذاته طريقة متواضعة لحل المشكلة، تنقل صاحبها من الواقع إلى معايشة الوهم، وهو هروب يزيد من تعقد المشكلة، وأقرب مثال على ذلك، حوادث السير التي ترجعها بعض المجتمعات إلى الزحام والاستهتار، وتقف عاجزة عن التصرف العملي للوقوف على المشكلة ومحاولة حلها، ما يزيدها تفاقما مع مرور الوقت.
ويضيف استاذ الطب النفسي بأن الشخص الذي يلجأ لهذا النوع من السحر، عادة ما يكون مترددا، قد يتحمس له نفسيا في البداية متأثرا باعلانات الفضائيات، فيقبل عليه، وقد يتراجع اذا ما حكم عقله ’ وغالبا ما تزيد حالته النفسية سوءا اذا ما لجأ للسحر وفشل الساحر في جلب الحبيب له. مضيفا بأن من أهم الأسباب التي تدفع لطلب جلب الحبيب بالسحر أن النسبة الأكبر من الزواج في مجتمعاتنا قائمة على عدم الاختيار في الأساس، حيث يتم الزواج، وفقا لمدى التوافق مع الطرف الآخر من حيث الظروف الاجتماعية والاقتصادية، دون النظر لعنصر الحب، وهذا يفسر زيادة نسبة الطلاق في مجتمعاتنا نتيجة أمور تافهة لا تجد قلوبا محبة تغفر لها وتتجاوزها، لأن الزواج قائم في الأساس على أسباب واهية.

أجواء مناسبة
تؤكد الدكتورة شادية قناوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، بأنه عادة ما يلجأ الانسان محدود الثقافة والتعليم والمحبط الى الخرافات، وهذا لا يرتبط فقط بعصرنا الحالي بل ينطبق على كل العصور، وتعد فكرة الجلب احدى هذه الخرافات، وان كانت تتميز بأن الأجواء الحالية مناسبة لها لكي تنمو وتنتشر وتجد رواجا كبيرا، لأننا نعيش في مجتمع أغلبه من الشباب المحبط والطموح في نفس الوقت، والذي يلجأ إلى السحر والشعوذة، للتغلب على حالته المادية التي لا تتيح له الارتباط بمن يحب، ومن أجل اشباع حاجته العاطفية، وفي المقابل كلما كان الانسان متعلما وغير محبط اجتماعيا واقتصاديا، ارتفع بعقله عن هذه الخرافات، ونفس الشيء بالنسبة لمن يدخلون في علاقات عاطفية ويفشلون فيها فهم بهذه التجارب يصبحون أصحاب خبرة، هذه الخبرة تبعدهم عن النظرة السطحية للأمور العاطفية كالزواج وجلب الحبيب.
تتهم قناوي المجتمع بأنه شريك في رواج ظاهرة جلب الحبيب، بسبب تبنيه الثقافة الذكورية في المجتمع، وتعامله مع المرأة على أنها متهم، ودائما يوجه لها أصبع الاتهام قبل الرجل في حالة فشل أي علاقة، بجانب دوره الكبير في تعقيد أمور الزواج، بما يصيب كل راغب في الزواج بالاحباط وتركهم فريسة للمتاجرين بهم من السحرة والمشعوذين، بعدم محاسبة كل من يروج لهذا النوع من السحر، رغم أنهم يعلنون عن انفسهم عبر الفضائيات، دون أدنى رقيب عليهم، وأيضا غياب برامج التوعية الثقافية للشباب وثقلهم بالخبرات والتجارب العملية وتشجعيهم على تطبيق النظريات النقدية والتحليلية في رؤية الأمور وحل المشكلات حتى لا ينجرفوا لهذه الخرافات.
الأصل واحد
وعن رأي الدين في جلب الحبيب بالسحر يقول الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية، جامعة الازهر، : هو أحد انواع السحر، ولا يمكن فصله عن الأنواع الأخرى لأنها كلها ذات أصل واحد، وكما هو مقرر شرعا فان السحر، فاعله ومباشره والساعي اليه، حرام، حيث قال تعالى في كتابه العزيز «ولا يفلح الساحر حيث أتي»، ولم يقتصر الأمر على ما ورد في كتاب الله، بل تناوله الرسول صلى الله عليه وسلم في عدد من أحاديثه الشريفة ومنها «اجتنبوا السبع الموبقات –وذكر منها-السحر». ووصل الأمر في بشاعة السحر أن فقهاء الشريعة الإسلامية اعتبروه من أبواب الردة عن الإسلام، خصوصا اذا استحل الساحر الكفر، ولم يترك الإسلام الساحر في هذا المستنقع اذا وقع فيه، حيث منحه فرصة للتطهر والتوبة وذلك بفتح باب الاستتابة بواسطة العلماء، فان رجع عنه فهو مسلم، فان كان ذميا أو معاهدا يظل على ملته دون التعرض له، ولم يقتصر حكم الإسلام على الساحر فقط، بل حذر المسلم من الذهاب إلى الساحر وفي هذا الشأن قال الرسول صلى الله عليه وسلم» من ذهب إلى كاهن أو عراف فصدقه فقد كفر «.
ويضيف د. كريمة بأن ما تفعله بعض الفضائيات ووسائل الاعلام بالاعلان عن هذا النوع من السحر وغيره هو اغراق للناس في الغيبيات والشعوذة والخزعبلات، بهدف النيل من عقولهم وشغلهم عن الأخذ بالأسباب والاجتهاد في الدنيا، وكمال اليقين في التوكل على الله.

أدوات السحر

أدوات السحر

Print Friendly