شفافيات

جمعاويات شفافيات

د.حمود الحطاب

أصبحت وفي قلبي شعر وشعور.
أصبحت وفي رأسي تعتصر كلمات الشعر ذات الطلعة الحزينة فاتجاهلها؛ لكن موسيقاها تدفعني للندم على عدم اصطيادها حين اتركها تمر مر السحاب أو مرَّ قطار ياباني منتظم في محطة ليس فيها غيري من الركاب.
والشعرشعور وقوده الألم والحزن والندم أحيانا وليست مادته البطر والترف والدعة.
لاتخدعك ابتسامات ترتسم على وجوه تظنها محبة، فهناك ابتسامات مرسومة على أقنعة، فمن يملك شجاعة الحب الخالص للمنافسين ويترك دواعي الغيرة.
هل ماتزال كلمات الحسد ترن في أذني تؤرقني وتفسد نشاطي آه… هل وقعت ضحية؟
هل أصابتني سهام، هل اصطادتني سنارة وضعت في حلقي حين كنت أطلق مشاعري وحكاياتي ببراءة الأطفال؟
هناك من يترقب قذف السنارة في فمك ليصطاد سعادتك فيشويها لا ليأكلها بل ليحرقها بسبب العبث والحسد.
هل من يغسل ألمي، كيف للحضارة تزيل مستحضراتها كل البقع وكل الأوساخ كيف هي تعجز أن تخترع مايزيل أثر الحسد حيث اتلف السرور والانطلاق والبشاشة في صدري؟
أمازالت خياراتي بين الوحدة أو الخِلطة غامضة في نفسي بعد كل تجاربي في العزلة والخِلطة. فأي سعادة في خِلطة تجلب الأحزان؟
انادي الأيام وأرجوها أن تغمرني بِسُحب أحداثها المتلاحقة حتى تطفي نار جرحي الذي سببه لي خيانة صداقة العزلة …فهل أقبل جزائي وأستسلم لعقابي وأركن إلى ألمي يقطعني دون علاج؟
إن عدم الحذر في الخلطة حمق، فأي سعادة في خلطة يكتنفها حذر ويوصف صاحبها بالحمق؟
قولي لي بربك يا وحدة ، يا جليستي الدائمة رغم الزحام: أكانت تلك النخلات الباسقات التي كنت ازرع الورود تحتها سبب تعاستي يوما؟ أم كان الماء الذي اسقيها به سبب سعادتي في وحدتي؟
أكانت ثيابي التي تتسخ من كنس أوراق الشجر والغبار حول نخلاتي سبب حزني يوما أم كنت أرى فرحي بتغيير ثيابي واستبدالها بالنظيفة من “دولابي” الذي رتبت فيه زوجتي العزيزة ثيابي بعناية فائقة، وفاضت حتى اصطكت في سقف الخانة سبب سعادتي؟
انها مادة الوحدة وأُناسها المتميزون المجتمعون الصامتون، وقد كانت كافية لتخلق لي كونا من حياة التأمل وسعة البال وآفاق المتعة في الخيال.
اصحو من النوم كل يوم كما أود، وأرغب فأصلي في جماعة العزلة الجماعية أحيانا كثيرة حين أصحو؛ فنحن في عزلة حتى ولو كنا في جماعة لأننا لانتعارف في المساجد وقد قل فيها إيمان الراكع والساجد.
مساجد كثر فيها المسلمون وقل فيها المؤمنون. لا تقولوا آمنا لكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.
اصحو من النوم كل يوم وأعود من صمت العزلة الجماعية في صلواة جافة قد غاب عن أكثرها نداوة الإيمان إلى ضوضاء مواعين المطبخ، أعد فطاري للجميع، فهذه هوايتي الجميلة بعد أداء الفرض الصبحي . الشمس لم تعد للنوم بعد أن أشرقت فعادت الينا بنشاط منقطع النظير بعد أن استدارت الأرض لتعود إلى اظلام في جهة وإنارة في أخرى وهي تسألنا حين تطلع علينا كل يوم :هل أنتم بخير في صبح جديد؟ وتتمنى لنا العمر المديد لكنها مشغولة عنا، تزيد في عزلتنا هي الأخرى اذ هي متفرغة لأعمالها الكونية الدقيقة، وهي محاسبة عن زلاتها فرقاب الحياة مرتبطة بدقتها تماما ولولا ذلك لتجمدنا او لتفحمنا.. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار.
هل ربطت سعادتي بابتسامة أحد حتى ولو كانت ابتسامته جامدة مرسومة على قناع؟ وهل أنا غير بشر واحساس ككل الناس. فإن سعادتي سيعقبها حزن وعدم دوام كتلك التي على الأقنعة، فهل قالها الفلاسفة والمفكرون: إن عشت طويلا فسترى أقنعة كثيرة ووجوها حقيقية قليلة. فأين هي تلك القليلة أيها الفيلسوف؟ هل عثرت أنت على أحدها بعد حياتك المديدة التي أكسبتك تلك الخبرة في الناس والحياة؟
كلنا … كلنا يعيش بقناع يخفي طبعه وطباعه، وأخطر الأقنعة ليس ماكان مع الناس، ولكن ما كان مع النفس والإحساس …إنه الخداع الأكبر.
كل هذه كانت أحاسيس ذات صباح قد أوقفت لأجلها دوران العجلة ذات الطلعة الحزينة حتى أسجلها فقد احتاج لقراءتها يوما وقد يحتاجها غيري كذلك.

كاتب كويتي

Print Friendly