جمعاويات شفافيات

0 105

د. حمود الحطاب

أَتَهْرَب من رحمة الله ياعبدالله؟
أتشعر بالخطر من قطرات من المطر، وتَفِر من رذاذ الماء فرارَ الحُمُرِ المُسْتَنْفِرَة التي فرَّت من قَسْوَرَة؟
وتركضُ ركضَ الوحوش في البراري، وتجري وتختبئ تحت الصخور والأشجار، وتحمل فوق رأسك شمسية تحميك مثل الطاقية، وكأنك أرنب في برِّية يهرب من صقور عاتية تلاحقه في السهول وفي الأودية؛وما دريت أن الأمطار تغسل أدران الليل والنهار؛ وهي للرحمة وافية، وللسحر والعين والحسد مشافية كما قال الأخيار؛ وربك العالم بالأسرار؟
كنت في تايلند ذات مرة، ولست من روادها بالمرة؛ فقلت للأهل انتظروا حتى أحضر لكم الطعام؛ وعندما هممت بالخروج ركض ورائي أهل الفندق بشمسية، وقالوا هي من الأمطار لك واقية!
فضحكت وقلت: نحن في بلادنا نحب الأمطار، وهي ليست من الأخطار، ولا نتقيها بشمسية ولا حتى بقحفية؛ فصاحوا ستغرق… ستغرق بالماء، فالجو منذر بالأنواء!
فاعتذرت عن عدم حمل الشمسية، وخرجت اتقلب في شوارع تلك الناحية من دون شمسية ولا طاقية، ومرت دقيقتان من الوقت منذ خروجي وذلك الإنذار؛ فسكبت السماء على رأسي الماء فتحملت هنيهة، وزادت الأمطار وكأنها شلالات ومافي وقت للخذ وهات؛ وقلت ألوذ تحت مظلات البيوت فهي من الأمطار الغزيرة واقية، وخل عنك يا حمود العافية؛ لكني بالكامل غرقت بالماء، والحمد لله لا يوجد هواء، وقررت مواصلة المسير في الماء، فليس عندي ما أخسره من قليل ولا كثير، فأنا وملابسي كأننا خرجنا من بركة ماء، أو حمام سباحة، والنفس في الغطس والغوص فيها كانت مرتاحة؛ فلماذا الاختباء الآن تحت المظلات وكل شيء قد فات؟
ومرت الى جانبي سيارة شرطة خففت سرعتها، وأخذوا حولي يمشون وإلي يحدقون وينظرون، ربما يظنون أني مجنون، أو بالشهرة باحث مفتون، أو غشيم يحتاج لمساعدة ؛ فعنه لا نريد المباعدة؛ فسلمت عليهم بالإشارة وكأني أتمشى في أجواء مشمسة، فزاد استغرابهم فلم اهتم بهم، فقد وصلت لتلك العربة التي تبيع الطعام، وتشوي اللحوم والإدام، وصاحبة العربة من الديانة المسلمة، فأكلها حلال ومافيه وسوسة تجلب الهمهمة؛ وعدت للفندق مبلولا بالكامل فاستقبلوني بمدخله بالهتاف والتصفيق والتحية، والعطف، وقالوا ألم نقل لك احمل”امبرالاه” تحميك من البهدلة؛ قلت دعوا عنكم العطف علي، وعلى ملابسي، فنحن شعب يعشق الأمطار ولا يراها الا نادرا من الليل أو النهار، وبالأمس قالت وصيفة انكليزية تعبيراتها لطيفة فنية: سيدتي إن السماء تمطر، فقالت حسنا احملي المظلة، واسقي الأشجار!
هذا هو الشعار: اسق الأشجار حتى لوكانت الدنيا تمطر كالأنهار؛ وهذه قصتي مع الأمطار، وما هو أكثر عندي أحتفظ به من الأخبار؛ ودعوني اسافر قبل أن يفوتني القطار.

كاتب كويتي

You might also like