جمعاويات شفافيات

0 83

د. حمود الحطاب

وصلنا عند قوله تعالى في تفسيرنا لسورة مريم عليها السلام إلى قوله تعالى:” لم نجعل له من قبل سميا”، فنقول: لمَّا كان في هبة الله لعبده زكريا بالغلام في ظروف استثنائية؛فضلٌ وكرم؛ فإن كرم الله وفضله لم ينزلا ناقصين؛ فكان ذلك متكاملا من قبل ومن بعد؛ فقد هيأ زوجته وهي امرأة فريدة من نوعها، امرأة مباركة من شجرةٍ مباركة نبتت نباتًا حسنًا طيبًا، فهي زوجة نبيٍّ؛ زكريا (عليه السلام)، وأمُّ نبي؛ يحيى (عليه السلام)، وخالة نبي؛ عيسى (عليه السلام).
اجتمعت عليها هذه الفضائل كلها؛ وقيل إن اسمها إيشاع بنت عمران. فقال تعالى في تكرمه وفضله عليهما:”وأصلحنا له زوجه”؛ وكان زكريا قد أعلن عن حالته وبالطبع حال زوجه ايشاع فقد وهن العظم منهما واشتعل الرأس شيباً؛ وقد بلغا من الكبر عِتِيَّاً؛ والعتو هو الطغيان الكامل الذي لا أمل في التقليل من قوته؛ ففي نظر زكريا من الناحية الطبيعية أن هذا الكبر الذي أصابه وزوجه كبر عاتٍ طاغٍ لامجال لتغيير وضعه للأحسن مهما كانت المحاولات؛ لكن الله سبحانه يُعَلِّمُ زكريا ويُعَلِّم من يقرأ القرآن، ويعلم البشرية، أن لاشيء عليه صعب مهما عتا عتوا، واستفحل استفحالاً في طغيانه وخرج عن الطبيعة؛ وتذكرون أنه قال له:” هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا”، فقد خلقك على غير مثل بابتداء وليس بسبق خلق؛ وليس عليه شيء أسهل من شيء ولا العكس؛ ولكنه يخاطب فهم البشر وقياساتهم؛ وهو سبحانه في تعاليمه القرآنية والدينية يبعث الأمل الدائم في النفوس مهما اشتدت بها الأهوال وساءت بها الأحوال؛ فالتفاؤل شأن من يؤمن بالله ويثق به وبقدرته؛ وأما منهج الشيطان من الإنسان فهو التيئيس والإحباط؛ كيف لا وهو قد ابلس ويئس من عفو الله عنه.
واقتضى كرمه سبحانه بخلق يحيى بعد تهيئة والدته التهيأة الكاملة للحمل والولادة الطبيعية، فأكمل كرمه بأن جعل أمره هينا لينا سهلا سمحا حين ولادته، فالسلام عليه يوم ولد، كما اقتضى وافر كرمه سبحانه أن يمن عليه بأجمل الأسماء وأصدقها في تسمية مولوده؛ فقد سماه من السماء ليحيا في الأرض وفي السماء؛ ولم يكلف والديه حتى بتسميته فسماه يحيى اسما غير موجود من قبل” لم نجعل له من قبل سميا؛ وفي حق الله يجوز أن لايكون له سمي من حيث شبه الاسم ومن حيث عدم الشبيه بالكامل”، هل تعلم له سميا التي وردت في حق الله فهو”ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”. وفي حق يحيى من حيث التسمية:”لم نجعل له من قبل سميا”، من حيث الاسم وليس من حيث الشبيه المطلق.
ومن كمال فضل الله عليه أن رزقه كمال العاطفة التي لا تتحصل عادة إلا بعطف والديه عليه وحنانهما؛ وكيف تستطيع عجوز، وكيف يستطيع شايب، أن يدللا مولودهما بالعطف الذي يقتضي الملاعبة والمداعبة والمماشاة بالمثل، وكمال الرزق المناسب حتى تتربى فيه العواطف فيكون طبيعيا بارا بوالديه، وهل يبر بوالديه من لم يتلق العطف والحنان منهما؟
وهذه رسالة أخرى لكل الآباء. فتكفل سبحانه بأن يكون العطف في بنائه النفسي من عنده سبحانه فرزقه الحنان الأبوي الاسري الكامل”وحنانا من لدنا”، كما أنه تكفل بتربيته وتزكية اخلاقه “وزكاه” وهي أيضا مهمة تربوية تحتاج وقتا طويلا وعملاً دائما باجتثاث الشر من حوله، كما يقول الغزالي أبو حامد في تعريف”التربية”وتشبيهها بعمل البستاني والزارع حيث يزيل الحشائش الضارة من حول النباتات ليتسنى لها النمو المستقيم، وهي مهة شاقة على كبار السن؛ فجعله زكيا نقيا مستقيما؛ كما تكفل بتربيته الأخلاقية والدينية فألهمه التقوى”وكان تقياً”، وكل ذلك وأكثر مما تفضل الله به على زكريا وزوجه ويحيى وتلك الأسرة النبوية الكريمة.
وإلى لقاء قادم إن شاء الله.

‏كاتب كويتي

You might also like