جمعاويات شفافيات

0

د. حمود الحطاب

قصة حقيقية: سأفترض أن اسمه “اسلام” وهو طالب في اواخر العشرينات من عمره، طويل القامة ممتليء البنية، كنت أدرسه علوما تربوية في الجامعة، كان يرتدي بذلة دائما ويستئذن بعد المحاضرة ليذهب في ادارة عمله المرتبط بوزارة حساسة ثقافيا، وفي مكتب وكيل سابق، وكان يبدو على هذا الطالب الأدب في تعامله معي،وقد نال عندي درجة حسنة في تلك المادة التي كنت ادرسه اياها. ذات امتحان كلفتني الجامعة-الله يسامحها- بأعمال المراقبة التي لا أحبها على الإطلاق، لكني ملتزم مع الجامعة ولا بد من التعاون، ووجدت اسلام بين الطلاب الممتحنين في مادة لا أدرسها لهم فسلمت عليه ودعوت له بالتوفيق. إلا إنني لاحظته وهو يتوقف عن الكتابة اذا اقتربت منه في كل مرة، مما أثار شكوكي!
هل يمكن لإسلام أن يغش؟
فلاحظته بعد ذلك خلسة ومن بعيد فإذا به يقلب الورقة ثم يعيدها فيكتب ثم يقلبها ثانية فيكتب؛ فذهبت اليه ونزعت احساسي بداخلي بالثقة فيه، فتصرفه مريب، فأخذت ورقة امتحانه بلطف وأنا أهمس له ماشاء الله عليك خطك جميل واقلب دفتر الامتحان بسرعة صفحة صفحة ويا للمفاجأة! فإن عشرات “البراشيم” قد كشفت عن نقابها وتبدت كالقمر ليلة البدر فصدمت به، وانصدم، وقلت ماهذا يا إسلام؟
فقال :”مش مذاكر يا دكتور”!
فقلت:”وتغش”؟
فقال:” أعمل إيه”؟
فأخذت “البراشيم” وقلت له: ” لم أتوقع منك هذا السلوك أبدا، هل فعلت مثل ذلك في المادة التي ادرسك اياها فسكت”!
وانصرفت عنه لكن عيني كانت له تراقبه وترصده، ومن دون هوادة، وأيضا فهي تتابع الجميع، وقد استخرجت “براشيم” الدنيا من العديد من الطلاب، وحتى من محافظ نقود بعض الطلاب الذين بدوا أنهم ثقات، فتشت محافظهم الجرباء، وعدت الى اسلام، وقلت له:” بعد إذنك حشوف الاوراق ثانية”.
فقلبت اوراقه فإذا بـ”براشيم” أخرى بين الأوراق فقلت:”ياخبر، إنت لحقت تدخل براشيم أخرى بين اوراق الامتحان”؟
فسكت. وتوقف طالبي الوقور تماما عن الكتابة، ولم يكتب غير صفحة واحدة في أوراق الامتحان، ورجعت إليه كرة أخرى لما رأيته يكتب من جديد فقلت له:” بعد إذنك ممكن اشوف اوراقك انا فقدت الثقة فيك تماما”.
فوجدت براشيم جديدة بين تلك الاوراق، فنازعني في بعضها بكل جنون، وأخذ يشدها من يدي وقال:”ربنا يخليك بس البرشامة دية”!
قلت:” إنت بتتكلم جد، مالك يا بني، تترجاني اسيب لك البرشامه ياولد”؟
فقال:” أنا ها ارسب بالشكل ده”!
فقلت:” وي، وانت معتمد على الغش هكذا وتصرح ايضا”.
وقلت:” يا إسلام، قف وانهض من جلوسك فوقف، فقلت بعد إذنك”.
فتشت جيوبه واستخرجت منها كميات من البراشيم من كل جيوبه وقميصه ، كانت تلك “البراشيم” كافية عند حرقها لإيقاد كمية من الفحم للشوي.
فتشت حتى محفظته بين يديه و”قولة” القميص، اعني الياقة. كنت افعل هذا مع كل الذين اشك فيهم، وبكل جرأة، ومن دون ضجة، فقد كنت ،كما اشرت سابقا، أهمس في الكلام معهم همسا، ووقفت على رأس هذا اسلام الطالب الغشاش، وقد توقف عن الكتابة نهائيا، والرسوب قد أخذ طريقه اليه بقوة ومن دون شك.
فقلت:” اكتب يا بني… مالك ساكت ليه اكتب حاجه اي حاجة”!
فقال وبحزن عميق:”منين أكتب، هو حضرتك سبت لي حاجة اكتب منها”.
فقلت له:” بقى اسمك اسلام، وأهلك باين إنهم بيتفاءلوا بتسميتك، وبتشتغل في وزارة حساسة، ومسؤول ثقافي في مكتب وكيل وزارة حساسة، ثقافيا وتغش؟ اسمك اسلام وتغش اسمك اسلام وتغش”؟
وضعت يدي على رأسه المفلفل وحكيت بأطراف اصابعي رأسه فقال يا دكتور:” وبتفتش في شعري كمان”؟
اسلام سلم ورقته بيضاء خالية من كل سوء ورسب إسلام في هذه المادة.
اخبرت عميد الكلية بحسرة وألم عن الحالات تلك ونثرت “البراشيم” بين يديه بوجود ثلة من اساتذة الجامعة، فكان كثلاجة السمك في بيتنا في التفاعل مع “براشيم” وحالات الغش. ذكرت هذه القصة بمناسبة ذهاب مجموعة من الطلاب لمكتب وزير التربية للدفاع عن عمليات الغش كما نشر… والمستقبل يبشر بخير.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

18 − 1 =