جمعاويات شفافيات

0

د. حمود الحطاب

كي أجيب عن السؤال الغائب عن المقالة الحاضرة: هل يستطيع عاشق التأليف والمقالة أن يترك الكتابة ويعيش بقية عمره للفن وقد جاوز الستين من العمر، قضى معظمه في حياة الكتابة وكتابة الحياة، في النقد والتأليف ومصاحبة القلم وخصوصا التأليف المدرسي الذي لا يقدر على فنه غير السحرة؟ وقد عنيت نفسي وبشكل طبيعي في هذه الفقرة،لأني احد افراد المقالة هذه فلا أنفصل عنها، واخص بالذكر الجميل من بين الفن فن الرسم.
اعزائي:من العيب في التعليم أن يكون السؤال طويلا، وهذا اعتراف مني بأني لم استطع اختصاره…هو خلقته كذا، هو كلاعب كرة السلة الطويل لا يستطيع المدرس اختصاره. ربنا خلقه كذا.
الرسم هو فن تجميد الحياة الطبيعية التي خلقها الله حية نضرة بهوائها ونسمتها وروائحها العبقة بارتفاعاتها وانخفاضاتها،بألوانها المتداخلة، جُدَدٌ بِيْضٌ وَحُمْرٌ مختلف الوانه، وغرابيب سود. الرسم تجميد الحياة، وتحنيطها كتجميد وتحنيط الفراعنة لآلاف السنين ليتم نقل صورهم المحنطة للعالم بعد سبعة الاف سنة. وانا آسف جدا على هذا التشبيه. واعتذر من الفن اذ وصفته بتحنيط الطبيعة في لوحة، لكن الفن هو تحنيط الحياة،فليست الصورة هي الحياة. فلا يمكن للفنان الرسام أن ينقل لك الحياة في غابة لتستمتع بها في مربع قد يكون بحجم نصف متر مربع،لا يمكن ابدا،فليس هو عفريت سليمان الذي نقل عرش بلقيس قبل أن يرتد لسليمان النبي طرفه. وقد أحسن الفن حين اساء للحياة فجمدها في لوحة، فقد تفتح شباك منزلك يوماً فتجد منظرا للخراب فتغلق الشباك،وتفتح شباكا آخر فتجد جارا مؤذيا لجيرانه يقف بصلافة وسوء طلعة في الشارع فتسارع فتغلق الشباك عن رؤية الأحدب الذي لن يعدل رقبته غير القبر،كما قال المثل الروسي.
قد أكون خيبت الآمال ووضعت الفن في غير موضعه، ولكني لا أفعل ذلك فاعذروني من فضلكم. ولست غافلا عما أكتب ولست قد انزلقت عن الجادة في ما اصف، فأنا أحب الرسم أيضا حباً جما، لكني اعشق الطبيعة عشقا جماً، ولا تسمح لي نفسي أبدا أن ادخل الطبيعة في زجاجة أو الصقها على لوحة على جدار كما يفعل الرسم. عقلي لا يسمح لي أن اتحجر بالوقوف الطويل أمام لوحة مهما كانت، ولكنه يسمح لي أن اعيش كل عمري في أحضان لوحة الطبيعة التي صورها الله فأحسن تصويرها، فهو الخالق المصور،احسن الرسم حين احسن بأن يجعلك تفتح الشباك على لوحة في الجدار بدلا من مشاهدة جارٍ قال عنه المثل:كوم من الأحجار ولا هذا الجار. فهل تشرق النفوس للالوان التي في اللوحة كما تشرق النفس حين مشاهدتها على الواقع ؟ قال لي فني يوغسلافي كان يتفنن في صف قطع الرخام في منزلنا يوما، وكان يعمل حجارا في مناجم الحجارة في ايطاليا: إن مشاهدة الرخام تشفي القلب وتعالجه، إن منظر الرخام الطبيعي دواء للقلب. ففهمت مقصده،ففي عمق الرخام الطبيعي اعماق الالوان الغائرة، والعروق فيه تعكس الوانها بصدق الطبيعة وأبعادها،فهناك ابعاد حقيقية طبيعية وهكذا هي الطبيعة، ولا يقدر على ذلك أجود أنواع السيراميك الصناعي فأبعاده مجرد خداع بتصغير وتكبير متكلف، فهي تصدم المشاهد له بانعكاسات سطحية مهما قلدت الطبيعة، وهكذا هو فن والوان الرسم انها سطحية العمق ليست كالطبيعة، فمشاهدة فلم عن الطبيعة ليس عيشة في تلك الطبيعة، فلا تسترخص الطبيعة وتعيش مع الأصنام، اصنام اللوحات. انتظروا من فضلكم لا تستعجلوا بالحكم على رأيي، فأنا في كامل سعادتي ومحبتي للفن والرسم الآن اثناء كتابة هذه المقالة عن الرسم، فما الذي يحدث؟ قلت إن اجابة تشتريها بالنقود الآن ستأخذها مجانا اذا صبرت. والى لقاء مقبل إن شاء الله.

كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 × 2 =