جمعاويات شفافيات

0 8

د. حمود الحطاب

إن حضارة الأمم إنما هي امتداد لثقافة الإنسان، وثقافته امتداد لتربيته، وتستمد معطياتها من فلسفة الإنسان ونظرته للكون والحياة والأحياء. وإن ما تنتجه الحضارة البشرية ليكون حضارة انسانية، ليس هو تماثيل وصورا توضع في الشوارع والطرقات، وليس هو اهراما تبنى للأموات من المتفرعنين الطغاة، وليس هو ما تنتجه الأيدي الفنية الماهرة من معابد لعبادات الأصنام وبتلك الروعة الهندسية وجمال التصميم وجبروت النحت والحفر ليلا نهارا، وليس هو فخامة النقش والبناء في الجبال واتخاذها بيوتا ثم تخلد كل هذه الأهرامات والآثار والملاعب والتوابيت والأصنام أبد الدهر. فإن ذلك كله ليس من انتاج انسانية الإنسان ولا من انتاج اخلاق الإنسان وقيمه ومبادئه الخيرة، وإنما هو حصيلة الفن الإنساني المجرد أو الفن الذي قد يخضع للذل والقهر والجبروت فتقضي الشعوب حياتها تبني من الصخور الجبارة قبورا مشيدة لطغاتها ومذلي كرامتها وحريتها الذين اسروا الشعوب وقيدوا حريتها وكبلوها تحت راية” «ما أُريكم إلا ما أَرَى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” يا للهول! إنه الطغيان يختزل كل انتاج العقول وحرية العقول وثقافة العقول وفن العقول في شخص طاغية فردي يحكم شعوبا قد قهرها بلقمة عيشها، وكان بمقدورها وبحريتها أن تنتج إنسانا مبدعا في فن الأخلاق والتعامل، والانسانية والذوق،مبدعا في الفلسفة والفكر والثقافة والعلوم والصناعة. يا للهول! إنه لا يريهم الا مايرى، وما الذي يراه؟ ومن أين يراه؟ وكيف يراه؟ إنه يرى من خلال الخطيئة التي أحاطت به، والتي اغلقت عليه نور الحياة ونور السكينة ونور الأخلاق ونور الحق والعدالة والحرية، إنه يَرى ويريد أن يُري الشعب من خلال ظلمات ارتكابه العصيان والتمرد على خالقه ورازقه. «بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار”، فكيف تختزل الانسانية في رؤية مشوشه أو رؤية معدومة بالخطيئة التي من عادتها أن تولد خطيئة أخرى؟ فلن يستريح ابليس حتى يدخل الإنسان النار.
إن اهم ما تنتجه الحضارة الإنسانية هو رجولة الرجال، والرجولة تقتضي الايمان بالحق والقيم والبناء الحضاري وفق الفلسفة الانسانية الحضارية وإنسانية الإنسان وأنسنته. وإنما تقاس الحضارة الإنسانية بهذا النبع الحضاري الخالد من رجولة الرجال.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.