جمعاويات شفافيات

0

د. حمود الحطاب

في الأسفار تقتلعنا الطائرة من محيطنا حين تقلع بنا محلقة مرتفعة نحو السماء؛ تقتلعنا كما يقتلع البلدوزر الشجرة من عروقها.
نسعد في الأسفار بمناظر لاتمت لنا بصلة، نسافر عنها بعد أيام قلائل هي، مهما طالت، وننسها وننظر اليها في الصور فنستغربها أحيانا.
نجامل في رحلاتنا أشخاصا لا تأثير لهم على حياتنا الدائمة؛ ندفع مبالغ طائلة للفنادق… للمنتجعات… للقطارات… للباصات… للحافلات… للتاكسي، لنعيش أياما تخلق لنا التغيير، وتنوخنا بمُناخها، ثم نتركها لأهلها وقد لايتذكروننا.
اهل تلك البلاد الجميلة والمنتجعات هم لايرون في جمال المناظر حولهم أي تغيير نفسي، فقد اعتادوها، لكنها في الغالب قد ربت فيهم الحس الذوقي وهم لا يشعرون.
نفتقد في أسفارنا حين نغادر بلادنا جماعية كانت تحيطنا بالأمن النفسي في صلوات المساجد حين نؤدي فيها بعض الصلوات.
نفتقد في الأسفار الأنس الجماعي في بلادنا بلقاء متوقع عابر وسلام حميم كنا نلقاه من أشخاص يعرفوننا فيحترموننا، فنجد عز ماضينا وحاضرنا في تحياتهم وسلامهم واحترامهم، ونسلم في الغربة على أشخاص عابرين يجهلون ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، فلانجد تلك المشاعر الحميمة التي كانت تؤنسنا.
فوائد السفر خمسة عدها الشافعي، ومنها تفريج الهم، وهذا يتحصل بالتخطيط الجيد للسفر، ولحساب الخطوات والحفاظ على الضروريات؛ واكتساب علمٍ، وأقلُّه العلم بمعرفة طبائع الأقوام وعاداتهم، وأنظمتهم، وطرق معيشتهم ومقارنتها بحياتنا، وطبائعنا، وعاداتنا، وتقاليدنا، وهذا يتأتى بالخلطات والتعامل.
ما أجمل مناظر الجبال المكسوة بالخضرة، وعليها اغنام وبقر وخيول ترعى في أجواء ربيعية لطيف هواؤها؛ رقيقة نسماتها؛ ما أجمل الأنهار والبحار والبحيرات والنهيرات، وفيها تسبح الأوزات الكبيرة والبط الطائر والطيور الجميلة الأخرى بأعداد كبيرة، سرعان ما تخرج من بحيراتها لتتسابق اليك بحثا عن طعام مختلف تقدمه لها، فقد ملت من تناول الأسماك من أماكن عومها.
ما أجمل طائر النورس وهو يقترب منك غير خائف ليتناول من على طاولة طعامك البطاطا، وقد يخطف من آنية طعامك مايسره تناوله، ومن دون إذنك، وسط انزعاج اصحاب المطعم وكتمانهم هذا الانزعاج، فهم لا يدرون لماذا نفرح باقترابها منا، ويرون في خلطتها للناس نوعا من المضايقة.
نحن ندرك انزعاجهم من نظراتهم، ولهذا سرعان ما ننسحب غير راضين عن قطع المودة مع هذه الطيور المتواضعة.
طائر النورس في بلادنا يطير بعيدا عنا وعنك، ويصدر اصواتا تحذيرية لبقية السرب أن اقلعوا وطيروا حين يراك ويرانا، لأنه يتوقع حجرا تلقمه اياه، او طلقة نار توجهها لقلبه فترديه قتيلا، ومن دون رادع من ذوق ولا من رحمة، ولا من قانون، ولهذا فنحن نحب اقترابها منا في تلك البلدان الآمنة، لنطعمها وكأننا نعتذر منها ومن الإساءة اليها على شواطئنا.
في الأسفار للبلاد الراقية حياة متجددة ووقود لنشاط أفضل بعد العودة من الأسفار، لكنه وقود سرعان ما يتبخر بعد عودتنا وممارستنا لحياة مليئة بالأخطاء والضوضاء والصخب.
التعلم في السفر مائدة الفكر، السفر يطرب النفوس كما يطربها نغم العود رغم انفها ان حللته او حرمته… من لم يطربه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، فذاك فاسد المزاج ويحتاج لعلاج، وبرأيي إنه فاسد المزاج لا ينفعه علاج.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

واحد × ثلاثة =