زوجات صالحات (24)

جميل بنت يسار زوجات صالحات (24)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
طما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله”. نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة جميل، والدها يسار المزني، أخوها الصحابي المبايع المحب معقل بن يسار شهد الحديبية، وكان يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس تحتها، حدث يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبدالله بن الأعرج، عن معقل بن يسار قال، لقد رأيتني يوم الشجرة والنبى صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مئة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.وقد ولاه عمر بن الخطاب إمرة البصرة، فحفر بها النهر المنسوب إليه” نهر معقل”،وله بها دار.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى في كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول صلى الله عليه وسلم”: كانت الصحابية جميل رائعة الحسن، وقد جاء أبو البداح ابن عم معقل بن يسار يخطب إليه أخته جميلا، ولما وافق أرسلت العروس إلى أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها تستلف ثوب زفاف لديها، كانت لا تمنعه عن أية عروس تزف في المدينة، وتم الزفاف المبارك.
وكان أبو البداح لا يتخلف عن الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قضيت الصلاة انقلب إلى بيته وشيكا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى أصحابه بعد الصلاة يتفقدهم فلا يراه بينهم، فسألهم عنه، فقالوا:إنه إذا صلى انقلب إلى داره سريعا، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يخبروه أنه يريده، فلما فرغ من صلاته، وهم بالانصراف، قالوا له:إن رسول الله سأل عنك، وهو يريدك، فمكث أبو البداح ينتظر، فأقبل عليه النبى صلى الله عليه وسلم يقول: “ما بالك يا أبا البداح إذا فرغت من صلاتك أسرعت إلى دارك؟” قال : يا نبى الله، أنا وزوحى نملك ثوبا واحدا أرتديه ثم آتى إلى المسجد، فأصلى فيه، فإذا فرغت من صلاتى انطلقت إلى دارى فأخلعه وترتديه زوجى فتصلى في وقتها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بخير.
وكانت جميل وزوجها وأخوها يقضون أكثر أوقاتهم يتناقشون في القرآن والحديث فما أمتعه من نقاش!!وكان معقل إذا دخل على أخته جميل سألته: ماذا نزل من القرآن اليوم؟فيخبرها بما نزل، فإن لم يكن قد نزل قرآن حدثها بما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم لا يتساءلون عن أمور الدنيا ومتاعها ولكنهم يبتغون الآخرة ويتجهزون لها، قال تعالى{: وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفي بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا، من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الأخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} سورة الإسراء الآيات17-20.
يقول الأستاذ عبد العزيز الشناوى في كتابه “نساء نزل فيهن قرآن “: من الأحاديث التى أخبر معقل بن يسار أخته عن ما قاله نبى الرحمة صلى الله عليه وسلم:” إن الله تعالى كره لكم ثلاثا: قيل وقال. وكثرة السؤال، وإضاعة المال”. ثم قال معقل:قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى كره لكم ثلاثا:عقوق الأمهات وأود البنات ومنع وهات”. وكان معقل بن يسار ينصح بالزواج من الولود الودود فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الأمم يوم القيامة”.
وذات ليلة أراد أبو البداح أن يوقظ جميل بنت يسار فظلت نائمة فقال لها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم- إذا هو نام- ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان”. فانتفضت جميل بنت يسار من نومها وقامت وذكرت الله ثم توضأت وراحت تصلى.
وسمع معقل بن يسار صوت بلال بن رباح فقال لأبى البداح وأخته جميل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” إن الله لا يأذن- يسمع- لشيء من أهل الأرض إلا لأذان المؤذنين والصوت الحسن بالقرآن”.
ثم قال معقل: قال خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم:” أيما قوم نودى فيهم بالآذان صباحا كان لهم أمانا من عذاب الله تعالى حتى يمسوا وأيما قوم نودى فيهم بالأذان مساء كان لهم أمانا من عذاب الله حتى يمسوا”.
وسألت جميل بنت يسار أخاها معقل بن يسار عن فضل قراءة القرآن فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يجئ القرآن يوم القيامة فيقول : يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول : يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال : اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة”.
وسألت جميل بنت يسار أبا البداح:أخبرنى بأفضل الذكر؟ قال أبو البداح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أفضل الذكر: لا إله إلا الله”. فقالت جميل بنت يسار: وأفضل الدعاء؟ قال أبو البداح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أفضل الدعاء الحمدلله”.
وسألت امرأة من الأنصار جميل بنت يسار عن شئ فقالت: لا أعرف. فقالت الأنصارية: كيف لا تعرفين؟ألا تذهبين إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.فقالت جميل بنت يسار : من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن العلم أن يقول المرء لما لايعلم الله أعلم فإن الله عز وجل قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين).
وفي جميل وزوجها وأخيها نزلت آيات من القرآن الكريم، حدث محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا الحسن أن معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل فطلقها، ثم خلى عنها حتى انقضت عدتها، ثم خطبها فحمى معقل من ذلك آنفا، فقال: خلي عنها وهو يقدر عليها، ثم يخطبها فحال بينه وبينها فأنزل الله:{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم والآخر ذالكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون} سورة البقرة 232 فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه فترك الحمية واستقاد لأمر الله، وكفر معقل عن يمينه.
رحم الله أبا البداح وجميلا ومعقلا، فقد كانوا قوما مؤمنين، وبدين الله مستمسكين.