جميل ملاعب يرسم بالأبيض والأسود حياة تستحق العيش عرض 60 لوحة استوحاها من سنوات الحرب والوجع والراحة

بيروت – ليندا عثمان:

ستون عملاً فنياً, في حفريات الخشب, نفذها الفنان التشكيلي جميل ملاعب, ما بين 1980 و2014, تعرض في صالة جانين ربيز بالأبيض والأسود, تحت عنوان “حياة تستحق العيش”, مرفقة بكتاب للفنان, أشرف عليه الناقد التشكيلي اللبناني, جوزيف طراب, يشتمل على أكثر من تسعين عملاً منفذاً في سنوات الوجع والحرب والراحة والعيش المتقلب كما فصول الطبيعة.
ملاعب, الفنان الغزير في إنتاجه, يحاول في أعماله المعروضة, استعادة مراحل من مسيرته الفنية, مراحل من زمن الخبز والملح, الحياة والموت, المد والجزر, الخصوبة والولادة, الواقع والمتخيل, ثنائيات (متضادة) مشاكسة على ذاتها, محفورة في الأنا, موزعة على مستويات شتى من التقنيات والمواد والتجارب (خشب “زيت, ورق قطني, جذوع الشجر, صناديق خشب, صنوبر, أكواريل, حفريات, قلم رصاص وغيرها من التقنيات) التي تتلاقح في ملوانة الفنان وتتصافح مخلفة رؤية فنية تنم عن ثقافة عالية يكتنزها من خلال أبحاثه في التراث العربي أو من خلال دراساته في الفنون والحضارات والحروفية والأبجديات الجمالية المختلفة المشارب والمنابع والطقوس. فهو يرى أن الفن ثقافة وتعبيرات إنسانية جمالية, ولا يستطيع أن يفهم الفن التشكيلي كتسلية أو شباك يطل منه على منظر طبيعي في الخارج أو في الداخل كالطبيعة الصامتة أو الصارخة بالطابع المتمرد, إنما هو طليعي بامتياز ولا يمكنه ذلك إلا بالبحث والتجريب والتلمس بعيداً عن التعليب.
جميل ملاعب يستلهم أعماله من أحلام ومرايا وذاكرة طفولية تنمو في البال وتزهر أريجاً, تنتسب إلى عالم التشكيل الحر رغم أستاذيته المشهودة. وبما أن معرضه يتعامل مع واقع الإنسان والحياة والطفولة والحرب المسكونة بالذكريات والذكرى السيئة, كانت له رؤاه المقاربة لمروج الكون والعروج إلى أفياء اللون وأثير الأغصان الممتدة كالشرايين المتدفقة بالحياة, هي تشكيلات تضج بالمعاني, تتنشق أريج الطبيعة, تخرج إلى دفء الشمس وامتداد البحر ومداه, تتفيأ بوهج اللون بكل تنويعاته, هو يصرخ على طريقته, يشاكس على هواه, يعشق مثل طفل يحتاج حضن أمه, يعانق كونه بأنامله والريشة معشوقة بديلة, لأنها الملجأ وقبلة الشمس.
من محاسن أعمال ملاعب, أنها تتمرد دائماً على كل المعايير والتصنيفات التي تلاحقه منذ فجر لوحته الأولى, فهو دائماً السباق إلى المغاير, وهو دائماً المتمرد على السائد في الفن ضمن سيرورة الإبداع الأولى حتى نهاية الإبداع الفني في مختلف الأساليب, يتمتع بمنطق خاص وانعكاسات شتى من الداخل والخارج, يحمل مواصفات الفنان الخلاق التواق إلى اللوحة الاستثنائية التي لم تُرسم بعد.
لكل فنان بصمته على هامة الفن وجسد التعبير. وجميل ملاعب أحد الذين تدل عليهم بصمتهم, بدءاً من بيصور بلدته, والمريجات البلدة التي احتضنت هجرات الفنان وأميركا والجزائر إلى لبنان, وبالأبيض والأسود عمد مرحلة من مراحل توسع لوحته وانسيابها في المدى الإنساني والفني معاً حيث قساوة الحياة والأحداث التي عاشها لبنان والأسود الذي “كفن” المطارح وهدم القرى والمدن, والمجازر التي افتعلتها يد الإجرام, ناهيك بالتهجير الذي حل بقرى الجبل والاحتلال الإسرائيلي, وحروب الأخوة حسمت الموقف عند الفنان وجعلت للأسود مكانة (فاقعة) مقابل الأبيض الذي يليق بالحياة كما يليق بالعروس التي تضع ورود الطرحة على رأسها منتظرة عريس الحب يأتي على صهوة تعانق المدى وتفرش الوجد في أفياء الكون, كذلك للألوان حضورها في المشهد الفني عند ملاعب الذي يرى, أن التعبير عنده يتناسب مع كل الألوان التي وظفت في مساره الفني وهي مأخوذة من صميم الحياة, من الواقع حيث الطفولة مراتع أحلام الفنان والحرب والجبل والبحر واليوميات والبيئة والتفاصيل الصغيرة, حتى الغيمة والعصفور والملجأ والبيت وغيرها من الذكريات حضرت بقوة عبر الأسود والأبيض, الأحمر والأصفر والأخضر. وكانت خلاصة لشريط أحداث يشبه فيلم السينما المعروض في باحات القلب وشاشة البصيرة, ولحظات العمر الهاربة في مسامات الزمان والوقت. المكان حالة دهرية في مسيرة هذا الفنان وكان بمثابة المعادلة الفنية التي تتناسب مع كل حدث يرسمه, فيصبح واقعاً جمالياً وذكرى مؤبدة وفكرة قائمة بذاتها, متحولة في الزمان بعيدة عن القبح حتى ولو كان مجزرة.
المعرض والكتاب بمثابة مراحل فنية لفنان لا يزال يبحث في غابات الكون عن لؤلؤ الفن, استغرق في البحث وقدم مشاهدات لا تنسى من مفكرة الحياة التي تليق بالفنان, كأنه ذلك الضوء الذي يشع ليملأ الدنيا حنيناً وأريجاً خارج هذا الجحيم الذي يؤرق ذواتنا المجبولة بنار الفراغ والحزن.

Leave A Reply

Your email address will not be published.