حاتم الجوهري: مفرداتي الحميمة تَمدُّني بالحلم وتصنع أسواري يعتبر نفسه من سلالة الشعراء المحاربين

0

القاهرة – آية ياسر:

هو شاعر معني بالتأمل في ماهية الكون والنفس البشرية، باختلافاتها وتصوراتها الفلسفية والابداعية، والتصدي للزيف والقبح والتشوه، مهموم بقضايا وطنه وعروبته، ومترجم وباحث من أبرز الكوادر العلمية في الوسط الثقافي المصري والعربي، صدرت له الكثير من المؤلفات التي فاز بعضها بجوائز مهمة كان آخرها جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية فرع الشباب عن ترجمة كتاب “تأملات في المسألة اليهودية” لجان بول سارتر الصادر عن دار روافد للنشر 2016، كما حصل على جائزة ساويرس في النقد الأدبي 2014 عن كتابه “خرافة التقدمية في الأدب الاسرائيلي “.
انه الدكتور”حاتم الجوهري” صاحب ديوان “الطازجون مهما حدث” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتاب “سيكولوجية الصراع السياسي” الصادر عن دار العين للنشر وحول تجربته الشعرية وترجماته ومؤلفاته العلمية كان لـ”السياسة” معه هذا الحوار:

يحمل ديوان “الطازجون مهما حدث” تجربتك الشعرية على مدى 15 عامًا، لماذا استغرقت كل تلك المدة ليخرج ديوانك الأول إلى النور؟
قراري بالانسحاب من المشهد الشعري التسعيني لم يصدر من حاتم الشاعر فقط، انما صدر من حاتم أمين جماعة الفكر والأدب في جامعة المنصورة وصاحب الرؤية الأدبية والمشروع المبكر بالصمود. رغم أن تجربتي الشعرية كانت متفوقة في حينه ويضرب الكثيرون بها المثل كنموذج متمايز في قصيدة النثر؛ الا أنني كنت أحمل مشروعا مغايرا، لا يقوم على الهزيمة والذاتية وكتابة الجسد والغرفة ومقاطعة المجاز والموروث، وخضت معارك أدبية شرسة في مدينة المنصورة أحد أهم معاقل قصيدة النثر والثقافة المصرية عمومًا، وكانت معارك مزدوجة مع دعاة قصيدة النثر من ناحية لفتح النمط وعدم تقييده كما حدث، ومع خصوم قصيدة النثر من ناحية أخرى لأثبت لهم أن الشكل في حد ذاته يمكن أن يكون ابداعاً غير نمطي على مستوى الموسيقى والمضمون والمجاز. لكن لا يمكن لفرد أن يقف وحده ضد سياق تاريخي وآليات صنع النمط الأدبي فيه، لذا كان قرار الانسحاب من حاتم صاحب الرؤية والمشروع الأدبي، وكان رهان حاتم الشاعر على انسانية نصه وما يكتبه وقدرته على تجاوز الزمن والسياق التاريخي، وهو ما حدث عند صدور الديوان بعد ما يقرب 20عاماً من قصائده الأولى، والتجاوب والتفاعل الذي وجده كنص يقف خارج السرب والسياق، رغم ما به من أخطاء اخراجية ومطبعية لا تليق به أبدًا.

الشعراء المحاربون
ما الذي يمثله لك ديوانك الأول كتجربة أدبية؟
يمثل رؤيتي للعالم، أملك تصورًا للشعر يقوم على امتزاج عنصرين؛ هما: اختيارات انسانية جديدة ولغة جديدة مغايرة، أولا: الاختيار الانساني سيضعك في منطقة خاصة بك لا تقوم على التعبيرية أو الانطباعية أو مجرد الرصد، واللغة الجديدة القائمة على النحت اللغوي والعلاقات الجديدة ستضعك في مكان سحري بعيدًا عما هو شائع ومعتاد، لذا فمعادلة التفوق الشعري الانساني في نظري التي تضيف للتراكم الانساني وتعبر عن الانسان العالمي أينما كان، تقوم على اختيارات انسانية جديدة ولغة جديدة، وفي ديواني الأول أقدم عالمي واختياراتي وصمودي ومفرداتي الحميمة اللصيقة التي تمدني بالحلم وتصنع أسواري وتعرف وجودي في العالم، ربما أنا من سلالة “الشعراء المحاربين” وربما أومن بـ”رومانتيكية جديدة” لا تكتفي بالمثال انما تقف على أرض الواقع مسلحة بأسوارها تتقدم بهدوء وروية في الواقع وتحتفظ بقيمها الرومانتيكية والمثالية مُصانة داخل تلك الأسوار، فلا تهتز ولا تتأثر تلك القيم رغم وجودها في الواقع، وقد تجدين أثر هذه المعادلة في علاقتي بالبنت، فرغم أنها غياب في معظم القصائد وحضورها باهت غير مشرق، الا أنك ستجدين القلب صامدًا محبًا عاشقًا يمتزج مع البحر والطبيعة والعصافير والسماء، موقن من حلمه ويتحرك في واقعه في آن واحد.
هل يمكن تصنيف الديوان ضمن قصيدة النثر؟
اذا اعتبرنا قصيدة النثر فكرة عامة مجردة واطاراً عاماً لكسر الشكل التقليدي في الشعر (العربي أو الأوروبي أو العالمي)، لكان ديواني الشعري قصيدة نثر من الدرجة الأولى، لكن اذا اعتبرنا أثر السياق التاريخي لوجدنا قصيدة النثر المصرية التي ظهرت في التسعينات لم ترتبط بكسر الشكل فقط، وانما ارتبطت بمضمون ما وصناعة نمط أدبي بعينه، قام على الهامش والهزيمة وكتابة الذات واللغة العادية، وقد ظهرت مجموعة كانت تكتب التفعيلة قديما، بدأت تكتب قصيدة النثر بلغة شاعرية بها من المجاز الانساني، لكنها تقع في دائرة كتابة الفقد نفسها، والتحسر على الحال وأنسنة الهزيمة والمشاعر غير المكتملة. لذا فان حُسبَ شعري قصيدة نثر لأنه لا يلتزم بالموسيقى التقليدية ويقدم لغة مغايرة واختيارات خاصة، فسوف يقف في مساحة طليعية خاصة به في قصيدة النثر العربية والمصرية تستشرف انتصار الذات والجماعة وتصمد في مسارها الطويل.
يبدو البعد الفلسفي حاضرًا بقوة في ديوانك، كيف تصف علاقتك بالفلسفة؟
أعتقد أن هذه العلاقة بادية بقوة في السؤال السابق، فكما قلت لكِ الشعر عندي وتعريفه هو أقرب لحالة خلاص وتنوير وتبصر، وليس مهما أن يكون الخلاص بالانتصار، بل قد يكون الخلاص والحرية والتحقق والرؤية الفلسفية وراء الشعر، قائمة على اختيار جديد يحدد مساحة وجودك في الكون ويعرف المسار والنمط الانساني الذي تقدمه، الانتصار قد لا يكون بالنصر ربما قد يكون بوضوح اختياراتك في العالم ورضائك الفعلي والسعيد عنها، والحياة وفق قواعدك ومنظومة قيمك الخاصة، التي قد تختلف كثيرًا عن معايير الناس، فتجد السعادة والتحقق فيما لا يجدون.
لماذا تبدو مولعًا بلعبة التأمل في ماهية الكون والنفس البشرية؟
لا أعتقد أنني أتعامل مع الأمر كلعبة، أعتقد أنني في علاقتي بالكون والعالم أعود كثيرا لفكرة الفطرية والبدائية لأفهم أصل الأشياء، وأتخلص من الزوائد التي يفرضها النمط والسياق التاريخي، أحب دائمًا أن أفهم حقيقة شعوري تجاه شيء أو فكرة ما، كعلاقة الفرد العارف بالجماعة مثلا، أحب أن أجرد الأمر من أثر السياق التاريخي لأفهم طبيعة العلاقة وما طرأ عليها من طبقات أضافها السياق والعادات الاجتماعية، أحب دائما أن أصل لحقيقة الأشياء العارية وأواجهها بقوة، ومن هنا أصنع اختياراتي الخاصة ويتكون عالمي الشعري المختلف بقدرته على المواجهة والاستمرار حيث توقف الآخرون، وحيث يقبع الحلم بقدرته على التجدد والمواصلة، والانبعاث مجددا كطائر “الفينق”.

تتويج الجهد
ما الذي مثله لك حصولك على جائزة ساويرس في النقد الأدبي 2014؟
كانت الفرحة الكبرى الأولى بعد ابتعادي عن المشهد، منذ التسعينيات أخذت أعمل في الظل في مكتبتي، أشتري الكتب بدأب لا أملُّ في مواضيع مختارة وبعناية، وأجمعها وأصنع الملفات وأخرج بالنتائج والتصورات، كنت في مركز بحثي شخصي قرابة الـ 15عاماً، وجمعت بين العقلية النقدية للمثقف والعقلية الحالمة للشاعر والعقلية العلمية الصارمة للأكاديمي، وجاءت جائزة ساويرس لتتوج كل هذا الجهد والاصرار والصمود الطويل، ولتثبت أن العمل الجاد قادر على فرض نفسه.
ماذا عن كتابك “خرافة التقدمية في الأدب الاسرائيلي” الفائز بالجائزة؟
هو يناقش أحد أهم التيارات السياسية المجهولة للمثقف العربي والمصري، ويكشف عن دوره الأساسي في التأسيس للصهيونية ووضعها على الأرض، وهو تيار “الصهيونية الماركسية”، ويكشف زيف دعاويه ورفعه لشعارات اليسار العمالي وحقوق العرب وما إلى ذلك.
كيف عالجت المشهد السياسي والمجتمعي عقب 25 يناير في دراستك “المصريون بين التكيف والثورة”؟
لقد وضعت تصورا مبكرا في الكتاب الذي صدر العام 2012 عن فلسفة تاريخية حاكمة لعامة الشعب المصري، ووجود صراع تاريخي بين مجموعة “المؤمنين بالقيم الانسانية العليا” وبين سلطة تحتكر المنافع والقرارات، وقدمت تطبيقا لهذه النظرية على ثورة 25يناير، ووضعت بعض التصورات والسيناريوهات للمستقبل.
ما مشروعاتك الأدبية والثقافية المقبلة؟
هناك ترجمتان جديدتان، هذه المرة في الشعر العبري مصحوبتان بدراستين نقديتين كاشفتين في التدافع الحضاري بين العرب والصهاينة، أعتقد أنها سيثيران اهتمام المثقف العربي كثيراً.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 + 14 =