«حادي العيس» لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم.. وحملوها وسارت بالدمى الأبل محبرة وقلم

هذا البيت من الأبيات الجميلة ولجمالها وروعتها غناها عشرات المطربين في الماضي والحاضر، وهي تصور القافلة خلال استعدادها للرحيل حيث تناخ الابل وتحمل النساء ومن ثم تنطلق قبيل ظهور الفجر، وغالبا ما تسير القوافل في هذا الوقت المبكر حيث لا حركة ولا ضجيج.
وبالنظر الى المعاني الواردة في البيت فمعنى أناخوا: أبركوا، أي اجلسوا الابل وهي جمع المفرد منها: أناخ، وهذه الكلمة خاصة بالابل، والجمل لا يجلس إلا بالأمر، اما «عيسهم» فهي جمع المفرد منها: أعيس وعيساء، وهي كرائم الابل وافضلها، هذا النوع من الابل «العيس» لونه بين البياض والشقرة وأما كلمة الدمى فهي جمع دمية، وكلمة الدمى تعني الجمال الرائع، شبه بالتمثال الصغير الذي يضرب المثل بحسنه وجماله، وقد ذكر العيس الكثير من الشعراء ومنهم: محي الدين بن عربي (558 – 638 هـ):
يا حادي العيس بسلع عرج
وقف على البانة بالمدرج
ونادهم مستعطفا مستلطفا
يا سادتي هل عندكم من فرج
وفي العيس ايضا يقول عبدالغني بن اسماعيل النابلسي (1050 هـ – 1134هـ):
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
والماء فوق ظهورها محمول!
ومن قصة البيت عنوان يظهر الموضوع أن العلامة ابن المبرد صاحب كتاب «الكامل في اللغة» «محمد بن يزيد، ت 285 هـ» قال: «دخلت دير هرقل في رفقة لي «دير يقع بين طريق وسط وبغداد» ورأى شابا جميلا نظيفا فاقتربت منه، فما أن رآني حتى قال:
عرضت نفسي على البلاء لقد
أسرع في مهجتي وكبدي
يا حسرة إذا أبيت معتقلا
بين اختلاج الهموم والسهد
فقلت: «أحسنت والله زدنا» فقال:
إن فتشوني فمحرق الكبد
أو كشفوني فناحل الجسد
أضعف ما بي وزادني ألما
أن لست اشكو النوى الى احد
فقلت وقد أعجبني: «أحسنت، زدني» فقال: اراك كلما انشدتك قلت زدني! وما ذاك الا لمفارقة الحبيب، وأحسبك أبا العباس المبرد، فبالله أأنت هو»؟ قلت: «نعم أنا هو» فقال: «أنشدني من شعرك شيئا، تنتعش به روحي»، ذكر في روايات عدة ان المنشد، هو المجنون نفسه» فأنشدته من شعري:
بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل
ومن بكاي بكت أعداي إذ رحلوا
يا منزل الحي أين الحي قد نزلوا
نفسي تساق اذا ما سيقت الإبل
انعم صباحا سقاك الله من طلل
غيثا وجاد عليك الوابل الهطل
سقيا لعهدهم والدار جامعة
والشمل ملتئم والحبل متصل
فطالما قد نعمنا والحبيب بها
والدهر يسعد والواشون قد غفلوا
قد غير الدهر ما قد كنت اعرفه
والدهر ذا دول بالناس ينتقل
بانوا فبان الذي قد كنت آمله
والبين أعظم ما يبلى به الرجل
فالشمل مفترق، والقلب محترق
والدمع منسكب والركب مرتحل
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم
وحملوها وسارت بالدمى الابل
«يا حادي العيس مهلا كي نودعهم
رفقا قليلا ففي توديعها الأجل»
زاد على هذه الأبيات الرواة كثيرا من الأبيات منها:
«يا راهب الدير بالانجيل تخبرني
عن البدور اللواتي ها هنا نزلوا
فحن لي وبكى وأن لي وشكا
وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل
شبكت عشري على رأسي وقلت له
يا راهب الدير هل مرت بك الابل
إن البدور اللواتي جئت تطلبها
بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا
وفي ابيات اخرى، يقول ابو العباس بن المبرد: «ثم أكملت أبياتي للمجنون» فقلت: «اني وحقك لا انسى مودتهم- يا ليت شعري لطول العهد ما فعلوا»؟
فقال المجنون: «ما فعلوا»؟ قلت: «ماتوا! فصاح صيحة عظيمة وخر مغشيا عليه، فحركته فاذا هو قد فارق الحياة، وابن المبرد هذا من كبار علماء عصره في المئة الثانية
من دولة بني العباس وسمي بالمبرد لحسن وجهه وقيل «لدقته وحسن جوابه» ولد في البصرة عام 210 هـ وتوفي في بغداد عام 285هـ واسمه: محمد بن يزيد كان نهاية في البلاغة والنحو والنقد، إمام عصره بعد وفاة المازني «أبوعثمان بكر بن محمد ت 154 هـ) له الكثير من المؤلفات المهمة منها: «الكامل في اللغة والأدب» وهو من الكتب الرائدة في الادب ولا يستغني عنه باحث في هذا الفن وكتاب: شرح لامية العرب والمقتضب وكتاب: ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن الكريم التعازي والمراثي، الروضة، المذكر والمؤنث، وغيرها من الكتب النافعة، وفيه يقول البحترى «ت 284 هـ»:
ما نال ما نال الأمير محمد
إلا بيمن محمد بن يزيد
وبنو ثمالة أنجم مسعودة
فعليك ضوء الكوكب المسعود

جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي
[email protected]

Leave A Reply

Your email address will not be published.