حبُّ الله للأوّابين الحب في القرآن 14

0 13

إعداد ـ أحمد بدر نصار:
أفصحت آيات القرآن الكريم بقوة عن رابطه خاصة متميزة تجمع العبد بربه هى الحب والمحبة، فالحب من المعاني العظيمة التي يسعد الإنسان بها، فقد أثبت القرآن الكريم صفة الحب لله جل جلاله، وأثبت أن الله سبحانه تعالى يحب عباده، وهذا الحب هو حب القادر المقتدر المعطي اللطيف بعباده المؤمنين، وهو حب يليق به سبحانه، فمن يختاره الله جل جلاله من عباده ليحبه، فإنه سيتمتع بامتيازات لا حصر لها في الدنيا والآخرة، ومن مكاسب حب الله للعبد في الدنيا أن تحبه الملائكة، ثم الناس، ويكتب له الله القبول في الأرض، كما أن له في الآخرة جزاء عظيم. وآيات الحب والود بلغت نحو 76 آية في القرآن الكريم، والأجمل أن الله سبحانه تعالى هو الذي يبدأ بالحب وليس العبد كما في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه».

الأواب هو العائد التائب إلى الله والمطيع لربه على الاستدامة من دون انقطاع، ومحبة الله سبحانه وتعالى للأوابين واضحة جلية، وتدل على مالهم من مكانة سامية عند ربهم، وهي صفة يمدح بها الله أنبياءه، يقول تعالى “اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (سورة ص: الآية 17)، فقد اختار الله سبحانه هذه الصفة لسيدنا داوود -عليه السلام- رغم تعدد صفات الخير عنده، وذلك لما لها من أثر على الفرد والمجتمع, لأن الإنسان خلق ضعيفاً، والشيطان له مداخله ومغرياته، وبالتالي فكل إنسان معرض للفتن وآفاتها، وهناك من يتبع طريق الشيطان ويستمر في الضلال – وهناك طائفة يعجز أمامها الشيطان كونها تعود إلى ربها فور الوقوع في المعصية لارتباطها بطاعة ربها، فالأواب هو العائد إلى ربه المطيع له سبحانه.
وعن معنى الأواب التي ذكرت في القرآن كثيرا وكانت صفة قرينة بالأنبياء عليهم السلام يقول الدكتور محمد الطاهر أستاذ البلاغة والنقد بجامعة الأزهر إن كلمة “الأواب ” من (آب ) بمعنى رجع، والمراد الراجع من الذنب إلى الطاعة، وقد يستخدم اللفظ بمعني المداومة على العبادة والطاعة بلا انقطاع، وذلك كالآية السابقة, لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون.
وعن الفرق بين التائب والعبد الأواب أوضح الدكتور محمد الطاهر أن العبد الأواب كثير التوبة والاستغفار فهو مراقب لربه في جميع الأحوال ومراقب لنفسه دائما، إن أخطأ أسرع في التوبة والإنابة. أما التائب فيطلق على من وقعت منه التوبة ولو مرة واحدة. وكذلك الأواب يتوب من جميع الذنوب أما التائب فقد يتوب من بعضها ويقع في غيرها.
وكما قال بعض العلماء إن الأواب أفضل درجة واعلى منزلة من التائب، فالتائب هو من اقلع عن الذنب، أما الأواب فهو من اقلع عن الذنب واقبل على طاعة الله بمذلة وحب واستمرار.
وأضاف الطاهر أن القرآن العظيم يدلنا على من هو الأواب يقول سبحانه :”هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ” (سورة ق: الآيتان 32-33).
وجاء في تفسير السعدي في قوله ” لكل أواب حفيظ ” أي: رجاع إلى الله، في جميع الأوقات، بذكره وحبه، والاستعانة به، ودعائه، وخوفه، ورجائه. و” حفيظ ” أي: يحافظ على ما أمر الله به، بامتثاله على وجه الإخلاص والإكمال له، على أكمل الوجوه، حفيظ لحدوده. وجاء في تفسير البغوي في قوله “وجاء بقلب منيب” أي مخلص مقبل إلى طاعة الله.
كما مدح الله نبيه سليمان عليه سلام حينما قال تعالى “وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (سورة ص: الآية 30).
وذكر في الطبري عن ابن عباس ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) قال: الأواب: المسبّح.
وفي تفسير الوسيط لطنطاوي قال وجملة “إنه أواب” تعليل لهذا المدح من الله- تعالى- لسليمان عليه السلام أى: إنه رجاع إلى ما يرضي الله- تعالى- مأخوذ من آب الرجل إلى داره، إذا رجع إليها.
وقال ابن كثير، إنه ثناء على سليمان عليه السلام بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل.
كما أثنى الله على خليله سيدنا إبراهيم كونه أواهاً حليماً في قوله تعالى “َمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ” ( سورة التوبة: الآية 114).
وجاء في تفسير السعدي أن قوله “‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ‏” ‏ أي‏:‏ رجَّاع إلى اللّه في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء، والاستغفار والإنابة إلى ربه‏. كما وعد الله عباده الأوابين بالمغفرة ،وجاء في تفسير الطبري في تأويل قوله ” فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا “، أن المقصود بها المسبِّحون، وهو ما أكده ابن عباس فقال إن الأوابين أي المسبحين.
فالأواب هو المسبح والمطيع الخاضع لربه ومن هذا القبيل جاء قوله تعالى “اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ” (سورة ص: الآيتان 17-19 ).
وجاء في تفسير الطبري أن قوله ” وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ” أي سخرنا الطير يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة له; ذكر أنه عليه السلام كان إذا سبح أجابته الجبال, واجتمعت إليه الطير, فسبحت معه واجتماعها إليه كان حشرها. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في معنى الحشر فيما مضى, فكرهنا إعادته.
وقال تفسير الوسيط لطنطاوي أي: إنا سخرنا الجبال لتسبح مع داود عند تسبيحه لنا، كما سخرنا الطير وجمعناها لتردد معه التسبيح والتقديس لنا. وجملة “كل له أواب” مقررة لمضمون ما قبلها من تسبيح الجبال والطير. واللام في “له” للتعليل، والضمير يعود إلى داود عليه السلام.
وقد جاء قوم إلى الحسن البصري رحمه الله فقالوا له: يا أبا سعيد إننا نرى في أنفسنا أننا نتوب ثم نعاود الذنب ثم نتوب ثم نعاود الذنب، فقال الحسن لهم: إذا عاودتم الذنب فعاودوا التوبة فإن الله لا يمل حتى تملوا، ثم تلا قوله تعالى : “فإنه كان للأوابين غفورا”.
فالأواب كما سبق هو كثير الرجوع إلى الله تعالى في جميع الأوقات، فمن اطلع الله على قلبه وعلم أنه منيب، وليس عنده إصرار ومداومة على المعصية.
وجاء في صحيح مسلم أن رسول الله كان إذا رجع من سفر قال: “آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون “. وكلمة ” آيبون” أي: راجعون بالخير، من آب إذا رجع, أي: نحن آيبون.
وقد ظهر مما سبق محبة الله تعالى للأوابين، حتى جعل تلك الصفة الحميدة من أهم صفات الرسل عليهم السلام وجعلها من صفات عباد الله المخلصين.

You might also like