حتى لا تبكي قطر على اللبن المسكوب

أحمد عبد العزيز الجارالله

طوال 36 عاما اثبت مجلس التعاون لدول الخليج العربية قوته وثباته، حتى في سنواته الأولى حين كان لايزال طري العود وقد تعرض لهزات عدة، أكان من الخارج أو الداخل، لا سيما من بعض الأعضاء الذين حاولوا تقويضه وتفكيكه، وكان أكثرها من قطر، غير ان كل هذا كان يساعد على تعزيز مناعته، ولقد شاهد العالم تلك القوة والوحدة في عام 1990 حين غزا العراق الكويت، فكان ذلك أصعب امتحان وأقسى اختبار لوحدة هذا المجلس وقدرته على مواجهة التحديات، وقد سارعت دوله، ولم يمض عليه تسع سنوات، الى حشد قواتها وفتح أبوابها أمام الكويتيين كافة، وحشد العالم خلف قواته لتحريرها من براثن الاحتلال.
في العقود الثلاثة ونصف العقد الماضية سعت إيران ومازالت تسعى إلى تفكيك المجلس للاستفراد بدوله واحدة تلو الأخرى، لكنها كانت تصطدم بصلابة المجلس، رغم التباين أحيانا في وجهات نظر الأعضاء، وحتى حين هولت بالحروب الداخلية في الدول المجاورة له، وعزفت من خلالها على وتر الشحن الطائفي والمذهبي، وتدخلت في البحرين والمملكة العربية السعودية تحت شعارات طائفية بحتة، وجدت نفسها كمن يقاتل طواحين الهواء ومنيت ولاتزال تمنى بالفشل الذريع.
هذا التاريخ، للأسف، كأنه بعيد عن أذهان بعض صناع القرار في بعض الدول الذين يدركون أن المظلة التي يوفرها هذا المجلس لدولهم هي التي منعت عن الأعضاء الست تأثيرات الزلازل التي شهدها العالم العربي في العقود الاربعة الماضية، ولهذا إذا كانت هناك مراهنة ما من بعض الدول على أن ينفجر المجلس من الداخل فهي واهمة، لأن الدول الخمس الباقية تدرك تماما أهمية هذه الحزمة، فلا الكويت التي لمست بالتجربة قوة المجلس في التصدي لاحتلالها وتحريرها في عام 1990 يمكن ان تقدم على خطوة انتحارية من هذا النوع، ولا البحرين المحصنة حاليا بـ “درع الجزيرة” في المواجهة مع إيران تفكر بذلك، ولا حتى سلطنة عمان أو الإمارات أو السعودية.
هذه الدول لديها قيادات حكيمة راشدة تنظر الى المستقبل وتعرف ماذا يعني استمرارها داخل هذا البيت الخليجي الذي مهما علت أمواج بحر الأزمات أو اشتدت رياح العدوان عليه صمد ويزداد صمودا، أضف إلى ذلك أن الأزمة الخليجية الحالية أثبتت مدى سعي الدول الكبرى، بدءا من الولايات المتحدة الأميركية مرورا بالصين وفرنسا وبريطانيا وصولا الى روسيا الى المحافظة على وحدة هذه المؤسسة العربية التي نجحت في تأسيس قوة اقتصادية وسياسية قادرة على تأدية دور مهم في العالم من دون أكلاف كبيرة، ولذلك شجعت وتدعم بقوة حاليا حل الأزمة من داخل البيت عبر الوساطة الكويتية بقيادة صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد.
اليوم ثمة حقيقة بات على الجميع الاعتراف بها، وهي ان كل من يغرد خارج هذا السرب يكون قد جنى على نفسه، لأنه بذلك يستدرج الأعداء إلى الاستفراد به، ولهذا يمكن فهم الحرص على الابقاء على شعرة معاوية مع الأعضاء الذين يغردون خارج السرب، كي لا تفتح أي من القوى الطامعة بدولنا كوة في الجدار تتسلل منها.
في السياسة من السذاجة أخذ الأمور بظاهرها، ولهذا حين يعلن سفير إيران السابق في قطر أن الدوحة منذ سنوات تسعى الى الخروج من “مجلس التعاون” فهو يكشف عن جانب من برنامج نظام الملالي في طهران، ويقول بطريقة غير مباشرة ان ما عجزت عنه إيران في اليمن والبحرين والسعودية والكويت، يمكن ان تحققه عبر قطر، وإذا كان النظام الداخلي للمجلس لا يجيز طرد أي عضو منه او حتى تعليق عضويته، فان ذلك العضو إذا خرج من هذا البيت يكون قد جنى على نفسه لأنه يتعرى من الحماية، وعندها تنفرد به ربما إيران أو تركيا أو إسرائيل أو أي دولة تسعى الى تفكيك المجلس وإضعاف دوله، وعندها سيكون لسان حاله: لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
أيا كانت أحلام الخفافيش الإيرانية، لا يمكن تغطية الحقيقة وهي أن المجلس باق، حتى إذا انسحبت منه دولة، فالخمس الباقيات لن تقدم على خطوات انتحارية، بل ستزداد مناعة المجلس لأنه لن يكون هناك من يغرد خارج السرب أو يفتعل المشكلات.
من المؤكد أن قطر، التي تهاجم اليوم مجلس التعاون وتنتقده ملمحة إلى نيتها الانسحاب منه، فإنها سوف تعض أصابع الندم حين تمسي وحيدة خارج هذا السرب، وعندئذ لن ينفعها البكاء على اللبن المسكوب، وسينطبق عليها المثل العربي المعروف: يداك أوكتا وفوك نفخ.