حتى لا تتكرر كارثة فرساي إيرانياً

لا يختلف الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول الست في مضمونه عن اتفاقية فرساي الموقعة في العام 1919، ففي تلك الاتفاقية لم تمض عشرون سنة حتى خرجت ألمانيا من قمقمها بعدما سيطر النازيون في ثلاثينات القرن الماضي على الحكم وأعادوا عسكرة المجتمع والصناعات وكشفوا عن مخططهم النازي التوسعي.
اليوم يبدو جلياً أن هذا الاتفاق هو بمثابة حصان طروادة لإعادة تأهيل نظام الملالي وإدخاله المجتمع الدولي من دون التخلي عن مشروعه التوسعي، وقد وُضع على محك الحقيقة من خلال ما كشفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من وثائق إيرانية سرية حصل عليها “الموساد” بطرقه الخاصة عن مشروع”عماد” النووي العسكري، واعتراف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي كان رئيساً لوكالة المخابرات المركزية بأن “تلك الوثائق صحيحة”، ما يعني إقفال دائرة المراوغة على الإيرانيين.
كنا نتمنى لو كانت دول الخليج، الكويت أو السعودية أو البحرين، سباقة في الحصول على هذه الوثائق لتقدمها للعالم، لأنها الوحيدة، واقعياً، المهددة من المشروع النووي العسكري الإيراني، لكننا في الوقت نفسه علينا ألا نستهين بالواقع المستجد، وأن نعمل مع الولايات المتحدة ليس من أجل إعادة النظر بالاتفاق، أو تحسينه، إنما وضع نظام الملالي في دائرة الحجر الدولي للتخلي عن مشاريعه التدميرية كافة، لأن الصواريخ البالستية المسكوت عنها، أو بالأحرى التي تجري معالجتها عبر عقوبات ناعمة تعتبر جزءاً أساسياً من المشروع العسكري ككل، إذ لا فائدة لهذه الصواريخ من دون رؤوس نووية.
هذه الحقيقة يجب أن تكون ماثلة في أذهان السياسيين الدوليين في أي مفاوضات مع إيران، فمن راوغ 12 عاماً أثناء المفاوضات ليس أهلاً للثقة، ولن تمنعه جولات مفتشي منظمة الطاقة النووية الدولية من الاستمرار في إنتاج اليورانيوم المخصب للاستخدام العسكري، خصوصاً أنه يعمل على التوسع في العالم العربي عبر قوة عسكرية مباشرة، وفي الوقت نفسه يدعم ميليشيات طائفية وانفصالية في عدد من تلك الدول، أي أنه يحسن مواقعه العسكرية في سورية والعراق ولبنان واليمن ليشكل كماشة ضد الدول العربية، وخصوصاً “مجلس التعاون” الخليجي الذي إذا تعرض لأي هزة فإن الاقتصاد العالمي كله سيتأثر سلبياً، ولا أعتقد أن العالم في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية بحاجة إلى اهتزازات وزلازل.
في التاريخ ثمة أمثلة واقعية لما انتهت إليه الوصاية الدولية من إيجابيات، فهذه ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حُيدت قوتها العسكرية فتحولت اقتصاداً قوياً في غضون سنوات، وأزالت كل التدمير الذي لحق ببنيتها التحتية، وكذلك اليابان التي تعرضت لأسوأ كارثة نووية في التاريخ البشري، تخلت عن مشروعها العسكري بقوة الوصاية.
لا شك أن إيران التي لا يزال نظامها يعتمد على مشروعه التوسعي في المنطقة، وتعيش ظروفاً معيشية مشابهة لما كانت عليها ألمانيا بعد اتفاقية فرساي، لن يردعها اتفاقها مع الدول الست من الاستمرار في ما تخطط له، لا سيما أن نظامها يحاول الخروج من مأزقه الداخلي عبر تصدير أزماته إلى الخارج، ولذلك في هذه الأجواء سيبقى خيارها الحرب، وإذا ما تيسر لها امتلاك قوة نووية عسكرية ستتحول وحشاً أكبر من الوحش النازي.
خلال الأيام القليلة المقبلة سيتخذ الرئيس الاميركي دونالد ترامب موقفاً من هذا الاتفاق الذي كتب رئيس الوزراء الاسرائيلي بيان نعيه في كشفه عن تلك الوثائق، وهذه الخطوة لا شك ستدفع الدول المعنية بالاتفاق إلى إعادة النظر فيه، أي أن إيران ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما، إما المواجهة مع المجتمع الدولي والمزيد من العزلة، أو أن تسلك طريق اليابان وألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن من دون حرب، وفي كلتا الحالين ستكون المنطقة كلها مستفيدة، أكان في السلام أو الحرب لأنها ستتخلص من كابوس جثم على صدرها 39 عاماً.

أحمد عبد العزيز الجارالله