حتى لا تقع قطر في شر مغامراتها

عندما أُعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر العام 1971، بقيت رأس الخيمة خارج الاتحاد، لكنها بعد سبعة أشهر انضمت إلى الدولة الوليدة لشعورها أنها بقيت بمفردها، واليوم بعد 46 عاما ها هي الإمارات أنجح تجربة وحدوية اندماجية في التاريخ العربي، ويومياً تزداد قوة ومناعة، ونهضتها التنموية مستمرة رغم كل المصاعب الاقتصادية التي تعصف بالعالم، وتؤثر عليها، بشكل أو بآخر، إلا أنها لم تتقاعس في تحدي الصعاب.
هذا المثال محل إعجاب العرب والعالم، هو حلم كل شعوب دول “مجلس التعاون” الخليجي في أن ترى مجلسها قد انتقل من التعاون إلى الوحدة، لكن للأسف ثمة بعض الأعضاء لا يزالون يرفضون تذليل العقبات لاعتبارات واهية.
اليوم، وبعد الأزمة الجديدة القديمة بين قطر ودول المجلس، هل تعتقد القيادة في الدوحة انها قادرة بمفردها على التصدي للأخطار المحدقة بها فيما هي تعيش على هامش المجلس؟
منذ البدء كانت الديبلوماسية أساس التعاطي مع المشكلات التي تنشأ بين الدول الأعضاء، لكن التمادي في الخروج على الاجماع من الجانب القطري بدأ يثير المخاوف، ليس في دول المجلس فقط، انما على المستوى العالمي، لا سيما في ما يتعلق بدعم الدوحة للارهاب، فها هي الأصوات الاميركية تتعالى مطالبة بنقل القاعدة العسكرية منها، وحين تتخلى الولايات المتحدة عن قطر، ألن تسارع الاخرى إلى إعادة النظر في العلاقات معها، وهل ستبقي تركيا على قاعدتها العسكرية ايضا، خصوصا حين تستقوي قطر بايران التي هي عدو لكل هذه الدول؟
على القيادة القطرية العودة إلى التاريخ الذي أثبت أن كل من يستقوي بالفرس مآله السقوط، فهذه الجماعات العميلة لإيران حولت لبنان دولة فاشلة، وكذلك الأمر في العراق، وسورية، أما في اليمن فالطامة أكبر، إذ إن أعوان ايران يمنعون العالم من معالجة وباء الكوليرا الذي يفتك بالأبرياء، سعيا منهم إلى إخضاع الشعب اليمني لإدارة الولي الفقيه الفارسي.
في السنوات الست الماضية قامت السياسة القطرية، وتحت شعار حماية حقوق الشعوب (الشعار الزائف ذاته الذي يستخدمه نظام الملالي للتدخل في شؤون الدول الاخرى) على التدخل في ليبيا وانفاق مليارات الدولارات على تسليح الميليشيات وتدمير تلك الدولة، وكذلك الأمر في العراق وسورية، كما انها حاولت التدخل في مصر عبر حمايتها ودعمها لجماعة “الاخوان”، فيما كانت دول”مجلس التعاون” تسعى إلى لملمة الصف العربي ومحاربة الفوضى والقضاء على الإرهاب، أي أن السياسة القطرية لم تكن تغريدا خارج السرب فقط، بل استدراجا للفوضى الى دولنا، والجميع يعرف عن الأموال القطرية التي تدفع لتيارات أو جماعات في بعض دول المجلس لزعزعة استقرارها.
قطر الساعية حاليا إلى أن تكون عصا خارج حزمة المجلس هل بمفردها يمكنها فعلا مقاومة الرياح العاتية التي تهب على الاقليم وتهدد دوله كافة، أم أنها ستدرك، لو متأخرا، أن الجميع في المجلس لا يريد أن يراها خارج الصف الواحد المتماسك الذي أثبت قدرته وقوته في مفاصله التاريخية، ومنها مواجهته غزو العراق للكويت، أو في ما تعرضت، وتتعرض له، البحرين من محاولات ايرانية لابتلاعها؟
“مجلس التعاون” هو الحصن المنيع الذي يحمي دولنا، ولا نعتقد ان هناك عاقلا يسعى الى الخروج عليه، فالثقافة والعادات والتقاليد الواحدة، هي من تملي الاتفاقات والمعاهدات الوحدوية ولهذا تنجح الدول الأعضاء بتطبيقها لأنها تعبر عن ضمائر الشعوب واحلامها، فهل تدرك القيادة القطرية ذلك وتعود إلى جادة الصواب؟

أحمد الجارالله