حتى لا يأتي يوم يترحم فيه السوريون على ديكتاتورية الأسد

ثقة الدول ببعضها بعضا، لا يفرضها قرار، ولا يحققها فرمان، انما تبنى بالممارسة التي تكسبها شرعية حقيقية لا يمكن للعالم ان يسقطها بسهولة، لذلك ليس سهلاً أن يستعيد أي بلد فقد الثقة الدولية، بقرار من قيادته، خصوصا اذا كانت تلك القيادة غير متمرسة بالحكم، وتضم حفنة مغامرين وليس رجال دولة.
كذلك لا يمكن لأي شعب يفقد الأمن أن يتنازل عن حق أفراده في حماية انفسهم، ولهذا، حين تسيطر شهوة الحكم على بعض المتهورين في دولة معينة ويتمكنون من الحكم تسقط الدولة في دوامة انهيارات متتالية، لا تنتهي إلا بمعجزة، او بعد حركة تصحيح في السلوك السياسي تستمر لسنوات عدة، وربما تستغرق عقوداً.
المثال الأكثر وضوحا في هذا الشأن مصر، التي حين تمكنت مجموعة من الضباط من حكمها عبر ما سمي ثورة 23 يوليو في العام 1952، فقدت كل ما بني طوال عقود، بدءا من انهيار الثقة بالجنيه المصري، الذي كان من اقوى العملات في العالم، مرورا بما اسماه بعض المصريين اشتراكية النفايات في الشوارع، بعدما كانت شوارع القاهرة في العهد الملكي تغسل بالشامبو يوميا، وبانهيار التعليم الذي تحول في العهد الناصري الى مجموعة من الشعارات، وصولا إلى فقدان الثقة بمصر حيث باتت الدول تنظر إلى السفارات المصرية على انها أوكار مخابرات، تدار منها خطط التخريب والانقلابات.
طوال فترة حكم عبدالناصر، لم تحز مصر ثقة أي دولة، اللهم إلا تلك التي سعت إلى استغلالها، كأداة لتحقيق مأربها، لذلك كان من السهل ان تراها مرة في حضن الولايات المتحدة الأميركية، واخرى في حضن الاتحاد السوفياتي، ويدخل قادتها في حروب خاسرة، كما الحال في العامين 1956 و1967، الى ان جاءت مرحلة أنور السادات فأزالت كل ما تسبب به العهد الناصري، الا ان ذلك لم يعد إلى مصر ما كانت عليه قبل 23 يوليو.
المثال الآخر الذي لم يتعلم منه العرب، هو ما سمي ثورة “14 تموز ” في العراق، التي قامت على السحل والقتل وفتحت أبواب جهنم على العراقيين الذين كابدوا طوال عقود من الانقلابات والاغتيالات، وتحولوا في نظر العالم إلى إرهابيين تديرهم سفارات نظامهم، وتوج ذلك بالمقابر الجماعية التي خلفها نظام صدام حسين ورسخت عقيدة ثأر نشهد نتائجها اليوم، بعدما تمكنت من الحكم عصابات مرتبطة بنظام الملالي الإيراني الذي يسعى بدوره إلى الهيمنة على العراق لتحقيق شعار آية الله الخميني أن الطريق إلى القدس تمر عبر كربلاء.
وعملا بالمثل العربي «كل افرنجي فرجة» هناك التجربة الإيرانية التي لا تزال ماثلة امامنا، فبعد اسقاط الشاه وسيطرة الملالي على الحكم، تحولت إيران من رسالة حضارية في المنطقة الى مصنع شر، تنتج افكاره وخططه ذهنية لا تزال تعيش في كهوف القرون الوسطى، وتؤسس الجماعات الإرهابية بدءا من سلسلة «احزاب الله» وليس انتهاء بـ»داعش».
الأمثلة التي يمكن أن يتعلم منها العربي أن مغامرات أصحاب الرؤوس الحامية الذين تحركهم شهوة السلطة كثيرة، فهذا هو السودان الذي كان يعتبر سلة غذاء العالم العربي حولته الثورات والانقلابات بلدا جائعا، وتونس اليوم شعبها يترحم على حكم زين العابدين بن علي، ولبنان الذي ألقي في فم الوحش الايراني يترحم شعبه على كميل شمعون وفؤاد شهاب وبشارة الخوري وشارل حلو، حتى ليبيا التي عانى شعبها والعالم من مغامرات معمر القذافي لسنوات بات الجميع يترحمون على ايام حكمه، خصوصا بعدما ايقن في اواخر عهده ان المغامرات الثورية ستزيد من عزلته.
اليوم، العالم كله يتصارع على سورية تحت شعار اسقاط نظام بشار الأسد، فيما تحولت مأساة شعبه اسطورة من القهر والموت المجاني والعوز والشتات في كل العالم، وأخشى ما اخشاه ان يأتي اليوم الذي يترحم فيه السوريون على ديكتاتورية الأسد، كما يترحم العراقيون على الملك فيصل بن الحسين وصدام حسين، والمصريون على الملك فاروق، بل على كل حاكم عربي أسقط بالدم والانقلاب والثورة التي تجلب معها الحروب الأهلية.

***

بعدما شرح وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان في العام 1967 لصحافي هندي خطة الحرب، سأله الصحافي: ألا تخشى أن يفشلها الأعداء؟ فقال : العرب لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يعملون.
دايان كان صادقا في قوله هذا فالعرب لم يقرأوا مذكرات “أبو الصهيونية” تيودور هرتزل، ولا مقررات المؤتمر الصهيوني الاول في العام 1897، ولم يقرأوا مذكرات وخطب قادة إسرائيل منذ العام 1947 إلى يومنا هذا حيث يتحدثون فيها عن تخريب العالم العربي وتفكيك دوله، ولم يقرأوا تكملتها في خطاب نظام الملالي منذ العام 1979.

أحمد عبد العزيز الجارالله