حتى لا يقتلنا الوهم

0 243

هل ما يجري اليوم في العالم يستدعي كلَّ هذه الهستيريا؟
صحيحٌ أنَّ وباء “كورونا” الذي يحصد أرواح الآلاف يومياً في مختلف الدول يتطلب منا الحذر والوقاية، غير أنه لن يكون نهاية العالم، بل وفقاً لما أعلنته منظمة الصحة العالمية فهو “الوباء الأول في التاريخ الذي يمكن السيطرة عليه”، وبالتالي يجب التخلص من “فوبيا كوفيد 19″، والعمل بعقلانية على مواجهة الآثار السلبية التي سيتركها الوباء على الاقتصاد والمجتمعات.
في هذا الشأن تحضرني حكاية عن ملك روماني أطلق لقب الطبيب الأول على أمهر أطباء البلاط، لكن الأمر لم يرق لطبيب آخر وذهب إلى الملك معترضا، فسأله: كيف يمكن أن نعرف من منكما أمهر من الآخر؟
فقال المعترض: ان اصنع سُمّاً وهو يركب مثيله، ويتناول كلٌّ منا ما صنعه الآخر، ومن يداوي نفسه يكون صاحب اللقب عن جدارة.
قبل الملك الاقتراح وكذلك الطبيب الأول، وعمد كل منهما إلى تركيب سم، بعدها عمد النطاسي الماهر إلى حيلة، وهي أنه يوميا يدقُّ في جرن ماء، ولأن غرفتيهما متجاورتان، فكان الآخر يسمع صوت طرق الماء فيزداد خوفا مما يصنعه زميله.
بعد أيام مات طالب التحدي، فسأل الملك الطبيب الأول: ما هذا السم الذي قتل الرجل؟ قال: أنا لم أصنع سُمّاً، إنما أسقيته ماء، لكن الخوف قتله، هذه حال العالم اليوم المسكون بهاجس الوباء، ما زاد من الهلع وظهر ذلك في الاقتصاد العالمي، لا سيما مع انخفاض اسعار النفط.
في الآونة الأخيرة كثرت التحليلات بشأن انخفاضها، وانتعشت نظرية المؤامرة بشأن الأهداف من ذلك، بينما الحقيقة أن ذلك يعود إلى انخفاض الطلب عليه بسبب توقف مئات شركات الطيران، إضافة إلى تعطل آلاف المصانع، وعزل ثلث سكان العالم، وهو ما أثر على الاقتصاد العالمي بشدة، ودفع إلى خسائر كبيرة في البورصات العالمية، ما دفع بكثير من المتعاملين إلى التهافت على بيع أسهمهم ولو بأسعار متدنية.
علينا أن ندرك أن هذه الأزمة موقتة، وبالتالي على المستثمرين عدم الاندفاع خلف الهلع لأن ذلك سيؤدي إلى انكماش اقتصادي كبير لا يمكن الخروج منه إلا بعد سنوات، وسيترتب على ذلك تغييرات عميقة في المجالات الاستثمارية كافة.
لا شك أن على الحكومات وضع الخطط الكفيلة بدعم الاقتصادات المحلية، وضخ الأموال في الأسواق، تفاديا لمزيد من الأضرار التي ستعود على اقتصاداتها، بل عليها منذ الآن العمل على وضع الخطط لتنويع مصادر الدخل والاستفادة من هذه التجربة، على قاعدة تحويل التهديد فرصة، فالخسائر التي سجلت في الأشهر القليلة الماضية، واستمرار عزل الدول سيُضاعفها بنسبة كبيرة.
ما يجري اليوم يؤكد أن الخوف سيبقي الناس في حذر لسنوات، لذلك يجب ألا يتحول الوهم سُمّاً يقتلنا، فـ”كورونا” ليس أول ولا آخر وباءٍ يجتاح العالم، والبشرية شهدت الكثير قبله وتعافت، وعادت إلى ممارسة حياتها.

أحمد الجارالله

You might also like