حذار نفاد الصبر السعودي

ينظر كثير من المراقبين الى الحركة السعودية على أنها ليست بمستوى الحدث، وأنها بطيئة، ولهذا يتفاجأون بأي اجراء تتخذه فجأة القيادة، أكان بالشؤون الخارجية أو الداخلية، غير أن العارف بطبيعة بيت الحكم السعودي يدرك جيدا الفلسفة السياسية التي يقوم عليها، لم تتغير منذ أرساها المغفور له الملك عبدالعزيز بقوله:” إني جعلت سنتي ومبدئي ألا أبدأ أبداً بالعدوان، بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً، وأتمادى في الصبر حتى يرميني القريب والبعيد بالجبن والخوف، حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي وكانت القاضية”.
لهذا كانت المملكة ولا تزال لا تقدم على خطوة الا بعد ان تستنفد كل وسائل الصبر والديبلوماسية، أكانت القيادات السابقة أو الحالية، المتمثلة بالملك سلمان وولي عهده الامير محمد بن سلمان، ففي الشأن اليمني وحتى بعد سقوط التسوية الخليجية بانقلاب الحوثيين وفريق المخلوع عليها، والعمليات الارهابية التي مارسوها، أكان على الحدود السعودية اليمنية، أو باجتياحهم العاصمة صنعاء ومساحات واسعة من اليمن، لم تلجأ القيادة السعودية الى العمل العسكري الا بعد استنفاد الوسائل السلمية، الى حد اعتقد الناس انها قد استسلمت للأمر الواقع، لكن بعد بدء “عاصفة الحزم” ايقنوا انه حان وقت الضربة القاضية.
الأمر ذاته ينطبق على الداخل، ففي مرحلة ما شعر السعوديون أن التطرف والغلو لا فكاك منهما، الى أن جاءت الاوامر الملكية لتكف من تدخلات هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفسح في المجال أمام الفرح البريء الذي كان يكلف السعوديين مبالغ هائلة في الخارج.
الأمر ذاته انطبق على تشبيك الاراضي حيث وصلت قيمتها الى نحو تريليوني ريال، والفساد والرشوة اللذين استفحلا في السنوات الاخيرة، فجاء الأمر الملكي بتشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد لتباشر أعمالها فورا، بتوقيف مجموعة كبيرة من الفاسدين وتبدأ باعادة الحقوق الى أصحابها وتحرر الأراضي من الاستحواذ غير الشرعي وتعيدها الى المال العام.
هنا ربما علينا العودة الى اغسطس العام 1990 حين أقدمت قوات صدام حسين على غزو الكويت، استغربت دوائر عدة تأخر رد الفعل المباشر للقيادة السعودية، لكن بعد ثلاثة ايام اعلن الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، موقفا حازما أدى الى انشاء تحالف دولي سريع انتهى بتحرير الكويت، وعلى هذا الاساس يمكن اليوم النظر الى الموقف من ممارسات ايران و”حزب الله”، وكيف تتعاطى المملكة مع هذا الموضوع المصيري.
من تابع المواقف الاخيرة لزعيم ميليشيا “حزب الشيطان” حسن نصرالله، ومحاولات تنصله من جرائم حزبه في الكويت والسعودية والبحرين واليمن، يدرك جيدا ان الرياض تصبر الى ان تختار الوقت المناسب لتتحرك، وتقدم على ضربتها القاضية كي لا تقوم قائمة بعدها لمن يحاول المس بأمنها أو الامن القومي العربي.
استنادا الى هذه الحقائق نرى أن تاريخ الحكمة والحزم الذي كتب أولى سطوره الملك عبدالعزيز، رحمه الله، يعيد نفسه اليوم مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ولهذا نحن على يقين بأن المنطقة ستتخطى المرحلة الحالية بمزيد من القوة والامن والسلام.

أحمد الجارالله