“حرب اقتصادية” أم خلل.. ما الذي يحدث لاقتصاد تركيا ؟ تحليل إخباري

0

لطالما حظيت تركيا باهتمام خاص بسبب موقعها الجيوستراتيجي وتوجهها الغربي، فهي عضو دائم في حلف الناتو منذ 6 عقود، ومرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 2005، إلى جانب عضويتها في مجموعة العشرين باعتبارها الاقتصاد الـ17 عالمياً. وعلى عكس العديد من البلدان الأخرى في منطقة أوسع بالشرق الأوسط، اختارت تركيا دائماً نهج اقتصاد السوق الحر المتكامل مع الاقتصادات العالمية، لا سيما بعد الثمانينيات. وفي أعقاب أزمة اقتصادية خانقة في أوائل عام 2000، وبفضل الإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها بشكل صارم والتحسن في محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي، شهد الاقتصاد التركي دفعة حقيقية، وزاد نصيب الفرد من الدخل ثلاث مرات بحلول عام 2010، ما جعل تركيا واحدة من أهم الاقتصادات الناشئة في العالم. وخلال الأزمة العالمية، كان أداء الاقتصاد التركي مبهراً حيث نجا من العاصفة، وبرز بقوة، مسجلاً واحداً من أعلى معدلات النمو في العالم بين عامي 2009 و2013. وليس من قبيل الصدفة أن هذا الاتجاه عكس تقدماً في مجال الديمقراطية والاقتصاد في تركيا، وكان حينها حزب العدالة والتنمية الحاكم تحت قيادة رجب طيب أردوغان “النجم الساطع”، في منطقة عانت العديد من بلدانها من عدم وجود رؤية للمستقبل آنذاك. في تلك الأوقات، تم وصف تركيا بالبلد النموذجي في منطقة تعج بالصراعات، لكن منذ ذلك الحين “تدفق الكثير من الماء تحت الجسر”. يقول الكاتب التركي سيركان دمرطاش في مقال له، إن تركيا لم تعد دولة ذات حظوظ للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لأنها تخلت عن الإصلاحات الديمقراطية، فيما تدهورت صورتها في الخارج بشكل كبير، واتخذت نهجاً تصادمياً مع العديد من الدول والمؤسسات الغربية البارزة.
ويرى أنه على الصعيد الاقتصادي، فقدت تركيا فرصة كبيرة خلال العقد الماضي من خلال تفضيل النمو الاقتصادي قصير المدى عبر تعزيز قطاع التشييد والبناء، وتم إنفاق مليارات الدولارات على مشاريع بناء ونقل ضخمة، في حين تمت خصخصة عشرات المصانع التي تديرها الدولة وإغلاق مشاريع أخرى، غير أن ذلك لم يفعل سوى القليل لتحسين الإنتاجية، وهو المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي على المدى الطويل، وارتفاع مستويات المعيشة.
لكن لعل نقطة التحول الأبرز التي أدت إلى هذا التغيير الحاد للمسار، تمثلت في استبدال نظام الحكم، حيث باتت تركيا فعلياً تحت حكم نظام رئاسي يسيره أردوغان، الذي ظفر بولاية رئاسية “بحلة جديدة” عقب انتخابات 24 يونيو، في وقت غالباً ما ينظر إلى النظام الرئاسي من قبل الغرب كمقدمة لترسية “نظام الرجل الواحد”.
المشكلة تكمن في كون هذه الآلة الحكومية الجديدة شديدة المركزية لا تزال في طور التشكّل، ما زرع الكثير من الشكوك حول كيفية عملها، وما إذا كانت ستتمكن فعلاً من حل المشاكل الاقتصادية والسياسية والأمنية الحالية.
والواضح لحد الآن أن النموذج الجديد فشل في إقناع الأسواق الدولية بشأن مستقبل الاقتصاد التركي، وإيجاد الحلول الدبلوماسية الضرورية لأزمة ثنائية قائمة مع الولايات المتحدة. هذا الفشل قصم ظهر العملة التركية وأدخلها في موجة هبوط مستمر، مع غياب إشارات مقنعة على أي تعافٍ قريب.
وبحسب الخبراء يعتبر عامل الثقة أساسياً في دعم أداء العملة، ما يجعل أي ضربة خارجية كـ”رسوم ترمب” محدودة التأثير. والدليل على ذلك ما حدث لليورو واليوان عقب فرض القيود الجمركية الجديدة من قبل الإدارة الأميركية، فلم تشهد العملتان سقوطاً حراً كالذي عاشته الليرة خلال ساعات قليلة فقط من خطاب لأردوغان وتغريدة لترمب يوم الجمعة الماضي، الذي فقدت فيه 18%. منذ بداية العام، خسرت الليرة التركية أكثر من 40% من قيمتها، فيما ارتفعت تكلفة التأمين على الديون التركية إلى أعلى مستوياتها منذ 2009، في ظل تدافع شديد لبيع الليرة والسندات السيادية والمصرفية التركية، ما جعلها تتخطى تكلفة التأمين على ديون اليونان التي شهدت أسوأ أزمة مديونية إبان الأزمة العالمية.
وتقدر ديون تركيا للبنوك الأجنبية بنحو 224 مليار دولار، وفقاً لبيانات البنك الدولي للتسويات، بينما كشفت بيانات المركزي التركي بلوغ العجز مستوى قياسياً في الربع الأول من العام الحالي بلغ 96% على أساس سنوي.
وتعرضت الأصول التركية لضربة عنيفة عقب تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة بسبب أزمة قس أميركي تحتجزه تركيا، إلا أن أنقرة تميل إلى تحميل الغرب مسؤولية شن “حرب اقتصادية” ضدها. يقول العديد من المستثمرين إن الاقتصاد التركي الذي يبلغ حجمه 900 مليار دولار، كان يتجه بالفعل نحو الهاوية حتى قبل القرار الأميركي بمضاعفة الرسوم على صادرات تركية. فسنوات من الانحياز لسياسة “النمو بأي ثمن” جعلت شركات البلد مثقلة بديون بمئات المليارات من الدولارات، وأطلقت العنان لتضخم جامح بلغ 15%.
ويرى دمرطاش أن النموذج الاقتصادي الذي أعلنه وزير المالية التركي الجديد، خطوة إيجابية من جانب الحكومة التركية، لكن نبغي دعمها بإصلاحات هيكلية صارمة تؤدي إلى الانضباط المالي.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

سبعة + 5 =