حرب المصالح في اليمن

حمد أحمد عبدالعزيز العامر

إن المتابع لأخبار المباحثات اليمنية التي بدأت في الكويت في 21 أبريل 2016 برعاية الأمم المتحدة ولم تحرز أي تقدم حتى اليوم، يدرك أن تعثرها يسير بالشعب اليمني إلى مصير مجهول وإلى عالم من التخلّف المستمر خلف الحضارة والتاريخ الذي يعيه جيداً الساسة المتحاربون على طاولة المباحثات.
وكم كانت دول “مجلس التعاون” التي يشهد التاريخ بمواقفها الداعمة لليمن، بعيدة كل البعد عن إدراك خبايا المخططات التي تسعى إليها بعض القوى الدولية والإقليمية بالتعاون مع الحوثيين وعلي عبدالله صالح الهادفة الى خلق وضع يشبه الوضع القائم في لبنان ومعادٍ للمملكة العربية السعودية، ويعمل على إيجاد كل الظروف لاستمرار حالة عدم الاستقرار في اليمن وانعكاس تأثيراته على السعودية ودول “مجلس التعاون”، وذلك بعد فشل المخطط الخبيث في مملكة البحرين الذي بدأ بأحداث فبراير 2011 لينتهي بتمكّن البحرين بشعبها الوفي وقيادتها الحكيمة من تجاوزه بإنشاء اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق بأمر ملكي للتحقيق في مجريات الأحداث، حيث قدمت اللجنة تقريرها الذي تضمَّن عددا كبيرا من التوصيات إلى جلالة الملك وتمّ الانتهاء من تنفيذها بشكل كامل واحتُفل بذلك الإنجاز الكبير برعاية صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في 9 مايو 2016 وبحضور رئيس اللجنة البرفيسور محمود شريف بسيوني.
ونعود إلى اليمن الواقعة في خاصرة الحدود الجنوبية لدول “مجلس التعاون” والأزمة التي انطلقت شرارتها في 27 يناير 2011 وما يعنيه الانقلاب على السلطة الشرعية في البلاد وتولي الحوثيين وعلي عبدالله صالح للسلطة تحت مظلة النفوذ الإيراني وأطماعه المعروفة في شبه الجزيرة العربية والخليج، الذي أدركت دول المجلس مخططه الرهيب متأخراً، لتشن عاصفة الحزم والأمل للقضاء على المؤامرة التي قادتها قوى دولية وإقليمية وداخلية وتحت عين المبعوث الأممي المغربي جمال بن عمر الذي قاد الوساطة بين أطراف الأزمة اليمنية الرئيسيين، ووصل الأمر الى مطالبة “مجلس التعاون” الصريحة من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بتغييره لعدم الرضى عن إدارته للمفاوضات فتم تعيين الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد.
ويعيدني شريط الأحداث إلى ما قبل تعيين المغربي جمال بن عمر والموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وإلى فترة الاجتماعات الخليجية التمهيدية والتحضير للاجتماعات الوزارية، حيث طرحت فكرة تعيين مبعوث أممي خليجي لليمن ويكون من السياسيين ذوي الاختصاص والحكمة والاطلاع، خصوصا أن الأزمة هي “أزمة خليجية” بالدرجة الأولى؛ فتناقلت أوساط الاجتماعات الوزارية إشارات عن تعيين الشيخ الدكتور محمد السالم الصباح وزير خارجية دولة الكويت السابق وهو السياسي الخبير والديبلوماسي واسع الاطلاع على تفاصيل الأزمة اليمنية، خصوصاً أن الكويت تحظى بقبول السياسيين اليمنيين بمختلف اتجاهاتهم لدورها المعروف في دعم اليمن مالياً وتعليمياً منذ الستينات من القرن الماضي بمشاريع تنموية كبيرة ومتعددة يقوم بها مكتب الجنوب العربي لمساعدة اليمن، إلا أن المجلس الوزاري الذي كنت أحضر مداولاته السرية والعامة لم يناقش الموضوع أو يتخذ قرارا فيه، وهذا ما فتح الباب للقوى الدولية والإقليمية لتعيين ولد الشيخ لينتهي الأمر به إلى ما انتهى عليه الوضع اليمني من تدهور وتراجع، رغم المبادرة الخليجية التي قبلتها أطراف النزاع اليمني والدور المهم والجهود الجبارة التي بذلها الدكتور عبداللطيف الزياني الأمين العام لـ”مجلس التعاون” في سبيل التوصل إلى هذا الاتفاق بعد رحلات مكوكية للعاصمة صنعاء واجتماعات مكثفة مع كل الأطياف اليمنية.
ما آلت اليه الأمور في اليمن من تدهور أمني وعدم استقرار وأوضاع إنسانية مأسوية وصراع مستمر وفشل في التوصل إلى حل سياسي؛ يعود إلى أسباب عدة يمكن حصر أهمها في الآتي:
أولاً: الضغط الأممي الذي مارسه (جمال بن عمر) للاعتراف والقبول بالحوثيين المتمردين المسلحين في الحوار الوطني اليمني، من دون أن يطلب منهم تسليم أسلحتهم والانسحاب من العاصمة صنعاء ومدن ومحافظات ومؤسسات الدولة التي استولوا عليها بقوة السلاح ووضعهم الرئيس الشرعي تحت الإقامة الجبرية.
ثانياً: العملية التفاوضية تحت رعاية الأمم المتحدة التي تجري وفقاً لأجندة تسعى الى قيام نظام يمني تابع لإيران، سواء تلك التي كانت في جنيف أم الحالية التي تجري أحداثها في الكويت؛ نظراً للدور الأممي الذي يقوم به المبعوث إسماعيل ولد الشيخ أحمد من خلال تصريحاته الداعمة لفصل العملية السياسية عن العملية العسكرية، والعمل على تشكيل حكومة شراكة وطنية تتفق مع مطالب الحوثيين، فيما تطالب الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً بوقف الحرب وانسحاب الميليشيات الحوثية من صنعاء وتسليمهم السلاح للسلطة الشرعية أولاً.
ثالثاً: المخطط الأميركي الهادف لإعادة الترتيبات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من ناحية تأجيج الصراع السني الشيعي لتدخل المنطقة في صراع طويل يقضي على استقلال دولها وسيادتها الوطنية، وتمكين إيران من قيادة الإقليم بعد تهيئة الأوضاع لها بالتوقيع على الاتفاق النووي بحجة محاربة الإرهاب وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان وحماية الأقليات من ناحية أخرى.
إلا أن هذا المخطط الخطير المُعدّ له جيداً منذ العام2005 بمسمى “الثورة الخلاَّقة” لتشكيل “الشرق الأوسط الجديد” كردَّ فعل مباشر على تدمير برجي التجارة العالمية في منهاتن بنيويورك في 11 سبتمبر 2001، لم يتمكَّن من تحقيق أهدافه كاملة، فهو لم يستطع المساس بالمملكة العربية السعودية ودول “مجلس التعاون” بعد أن تمكَّنت مجتمعة من قلب السحر على الساحر بعاصفة الحزم في اليمن في مارس 2015 وعملية إعادة الأمل في أبريل 2015، ومناورات رعد الشمال في فبراير – مارس 2016، والتي أعادت للأمة العربية والإسلامية الروح والعزة والكرامة المفقودة منذ مئات السنين، وتبقى أحداثها ونتائجها عناوين يخلدها التاريخ كتحركات عسكرية عربية إسلامية ضخمة وحاسمة تؤكد بأن الأمة العربية عازمة على التصدي لعدوان وأطماع إيران والقوى الكبرى المهدِّدة لاستقلالها وسيادتها الوطنية.
ومازاد الأمور تعقيداً أمام الإدارة الأميركية إعلان المملكة العربية السعودية عن رؤيتها للعام 2030 التي ودَّعت من خلالها عصر الاعتماد على النفط بالعبور إلى مرحلة جديدة من البناء القائم على الابتكار والاستثمار وقيادة التغيير على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وتقديم الصورة الحقيقية للحضارة الإسلامية وهويتها وتراثها الزاخر بالعطاء للإنسانية.
إن ما تعانيه دول “مجلس التعاون” من المخططات الأميركية، ومحاولات الجانبين الخليجي الأميركي إخفاء حقيقة التوتر الذي يخيم على العلاقات الثنائية بسبب التغيّر الستراتيجي في السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط ونظريتها السياسية القائمة على مبدأ “ليست هناك صداقات دائمة وإنما مصالح متغيرة” يتطلَّب معه المعالجة الصريحة من خلال اعتماد مبدأ المصالح أولاً وفقاً للمعطيات القائمة فعلاً، لتكتمل الصورة الجديدة للأمة العربية والإسلامية كقوة لها صوتها وتأثيرها ونفوذها واحترام مواقفها وفقاً للمصالح المتبادلة بين الدول.

وكيل وزارة الخارجية البحرينية سابقا ـ المحلل السياسي للشؤون الإقليمية و”مجلس التعاون”