حرب ترسيم الكانتونات الطائفية في العراق

داود البصري

التطورات العسكرية الميدانية السريعة في العراق, وانهيار الجيش في معارك الموصل والفلوجة و الأنبار, وعمليات النزوح الشعبي من المدن, والجبهات العراقية الساخنة, واستمرار الخوض في مستنقعات الحلول الدموية البائسة المترافق مع انهيار منظومة الدولة العراقية بالكامل, وفشل السيد نوري المالكي وطاقمه, من كبار العاجزين والفاشلين, في إدارة الوضع والسيطرة على التداعيات الخطيرة التي سببتها سياساته الخرقاء و الديكتاتورية في التعامل مع قوى المعارضة السلمية, وأهل الحراك السلمي الذي حوله المالكي, بطيشه ورعونته, ثورة عسكرية مسلحة احتار الإعلام العراقي في وصفها, بين كونها حركة مسلحة لأهل العشائر, أو لكونها تنظيم”داعش”, أي الدولة الإسلامية في العراق و الشام, الاتية من تحت إبط جماعة “القاعدة” التي للنظام الإيراني, كما نعلم وتعلمون أطراف وأصابع خفية فيها, لكنها معروفة في توجيه وبرمجة نشاطاتها!
ليس من المعقول ولا المنطقي تصديق الرواية الحكومية حول القدرات الـ”سوبرمانية” لتنظيم “داعش” في إدارة المعركة على جبهتين قويتين في الشام و العراق, و لا يمكن أبدا تصديق أسطورة “داعش” المزعومة في ظل حالة التصعيد الطائفية الخطيرة التي يشهدها العراق بعد حملات التصفية الطائفية في كركوك وديالى والأنبار, ومحاولات إعادة إعداد رسم خطوط تماس طائفية عراقية قد تمهد السبيل لتقسيم نهائي وشامل للعراق, وتحويله مجرد كانتونات طائفية متناثرة ومتصارعة ومتخلفة وبائسة.
ذلك المشروع التقسيمي القديم الذي اتضحت معالمه منذ عام 1980 القاضي بتقسيم العراق ثلاث دويلات طائفية مشوهة, هي الدولة الكردية (قائمة حاليا واقعيا) و الدولة الشيعية (موجودة) والدولة السنية (مشروع قائم), وهو المشروع الذي عملت الدوائر الدولية الكبرى على إنضاجه و تهيئة الظروف الميدانية له منذ أربعة عقود, بالتمام و الكمال, وحيث دخل العراق في حرب “ماراثونية” مع إيران أفرزت أوضاع و ظروف أدت للاجتياح والاحتلال العراقي لدولة الكويت عام 1990,وهبوب رياح عاصفة الصحراء عام 1991, دخل العراق و شعبه بعدها في حصار دولي قاس و طويل كانت نتائجه تهشيم قواعد الدولة المركزية, و تشويه القيم الاجتماعية للشعب العراقي, و تحفيز وتنشيط العصابات والجماعات الطائفية بفكرها الشاذ من مختلف الأطراف.
ثم جاءت الضربة القاصمة مع حرب تدمير واحتلال العراق وإنهاء الجيش والمؤسسة الأمنية العراقية, ما حول العراق منطقة جذب وميدان معركة للجماعات المتطرفة في الشرق بأسره, ومن ثم نشوء أوضاع طائفية تمثلت بهيمنة أحزاب طائفية, فاشلة وبائسة وعقور, ساهمت أبعد مساهمة في تكسيح العراق وفرض التخلف على شعبه عبر حشوه بمخلفات الأفكار الخرافية والعدمية حتى تحول الشعب, الذي كان في ستينات وسبعينات القرن الماضي نموذجا للشعب القارىء والمثقف, شعب هائم على وجهه في الطرقات, وانضوى شبابه تحت ظلال عصابات وميليشيات طائفية بائسة زرعت الرعب والخوف والدمار, وأسست لحالة التقسيم المجتمعي السائدة حاليا والمترافقة مع فشل حكومي مريع بسبب جهل الحكام والمتنفذين و ديمومة سيطرتهم على السلطة التي يسيرون ملفاتها من خلف القلاع والحصون المشيدة, تاركين عموم الشعب العراقي لمصيره.
معارك العراق الدامية اليوم والمترافقة مع شلل حكومي بسبب العجز عن تشكيل حكومة عراقية فاعلة, حتى وإن تشكلت فإنها لن تفعل الكثير لكون برنامجها برنامج هش وطائفي وقياداتها أعجز من العجز ذاته.
العراق اليوم يتجه بكل وضوح و صراحة الى التقسيم الكامل, ونحو نهايته الإقليمية, وقضية قيام الدويلات والكانتونات الطائفية لا تحتاج سوى الى رتوش وتفاهمات إقليمية معينة يتم بعدها الإجهاز النهائي على العراق الذي عرفناه وعرفه العالم منذ عام 1921 أيام تشكيل الحكومة الوطنية تحت قيادة العائلة الهاشمية العراقية التي أبادها رعاع العراق عام 1958, وهاهو العراق يحصد اليوم نتائج ذلك الفعل الإجرامي الأخرق, و حيث سيكون نوري المالكي آخر الحكام الفاشلين الذي سيدخل التاريخ كما دخله آخر حكام غرناطة أبو عبد الله الصغير وهو يسلم مفاتيح قصر الحمراء لملكي قشتالة وأراغون.
بكل تأكيد لن يجد نوري المالكي وقتا ليبكي فيه ضياع العراق! العراق يعيش اليوم تداعيات التمزق والتحلل النهائي وبما سيترك مؤثراته الخطيرة على الشرق بأسره.
إنه زمن الكانتونات الطائفية المريضة… اللهم إلا إذا!
كاتب عراقي
[email protected]

Print Friendly