روائية مصرية تؤمن بأن للكلمة أمانة وللحرف دوي طلقة

حرية سليمان: ظاهرة “الأكثر مبيعاً” خدعة لترويج كتب المحظوظين روائية مصرية تؤمن بأن للكلمة أمانة وللحرف دوي طلقة

القاهرة – عاطف عبد اللطيف:

روائية شابة, حاصلة على ليسانس آداب قسم اللغة الإنكليزية, عضو اتحاد كتاب مصر, تتعدد أعمالها الادبية والشعرية, أبرزها ديوان نثري بعنوان “عناقيد ملونة”, وصدر لها رواية “أسود دانتيل”, كما حصدت عدداً من المراكز الأولى بمسابقات وفاعليات ثقافية وأدبية.
حول “أسود دانتيل”, ومشاعر المرأة التي جسدتها, ورأيها في ثقافة الأكثر مبيعا, وسوق الرصيف الذي يقوم بتزوير الطبعات الأصلية للكتب, ودور الأدب في التصدي لحروب الجيل الرابع, التقت “السياسة” الروائية الشابة حرية سليمان, في هذا الحوار:
* ما الرسالة التي أردت إيصالها للرجل من خلال روايتك “أسود دانتيل”?
* ربما كنت بحاجة حين كتبت هذه الرواية, أن أدون إرهاصاتي التي ترسبت على مدار سنوات تجاه الرجل باعتباره جزءاً من المجتمع, وليس من منطلق أنه مجرد شريك قد نختلف أو نتفق معه, فإشكالية المرأة مع الرجل تعد علاقة مباشرة بالحياة وتعكس معاناتها, وأعتقد أيضا أنها ليست قاصرة على علاقات الحب الموجوعة بقدر ما تعالج تشوهات يمررها الرجال على اختلاف صفاتهم.
* هل لعنوان روايتك هذه مدلول لديك?
* الدانتيل خامة من القماش كاشفة ساترة, والأسود بكل فخامته وقتامته رمز للشجن وعنوان للأحزان, وبالتالي ربما أكون قد قصدت أن يكون عنواناً للحزن الشفيف.
* كيف تستطيع كاتبات هذا العصر الغوص في مشاعر المرأة بنجاح?
* وهل هناك أقدر من المرأة على التعبير عن المرأة? المرأة العربية تصارع حالة الرفض المجتمعي الذي يصادفها أحياناً, وربما بقلة حيلة تمارس الصراخ لأن التاريخ الذكوري على امتداده يزرع فيها القناعة دوما بأنها كائن ناقص, وأن كل ما تعانيه من أوجاع ترغب في سكبها على الورق ليست غير تجارب خصوصاً محدودة المدى وربما لن يهتم بها أحد سواها.
* ما ردك على هذه الآراء?
* ما المفترض أن تفعله الأديبة حين تواجه نفسها ببوح شفيف مؤرق يضمن لها ألا تتخطى أبداً حدود الإبداع النسائي, الذي تميزه عموما الكتابة النسوية الرقيقة, وكيف يمكن أن تتعاطي مع مجتمع متناقض يحاكمها يومياً كونها إمرأة, فثمة خوف غير معلن يجعلها تواجه هذا العالم بكل غموضه وفرصه الضائعة, إن تكرار تيمة الحرية في الكثير من الكتابات النسائية لمبدعات عربيات نابعة من الوعي بمسألة حرية المرأة, لذلك انعكس هذا المطلب العام على الكتابة والإبداع, والمبدعات حينما يعبرن عن رفضهن لبعض الموروث ويحتججن على بعض الممارسات التي تكرس هامشية الأنثى وترسخ لتدجينها, فهن يعبرن بصدق عما يعتمل في ذواتهن.

تصنيف الأدب

* هل يمكن تصنيف الأدب?
* اعتقد أن التصنيفات مسألة دخيلة يمكن أن نطلق عليها مع التحفظ أدباً معاصراً, فقد أصبح هناك نوع من القراءة يدفع قارئ ما لاختيار ما يناسبه وإهمال نوع آخر مهما كان مضمونه. إن ما يحدث الآن لا يعدو إلا توجيها متعمداً لحساب ناشر وكاتب ومادة فقيرة لا تسمن ولا تغني من جوع, ويمكن فعلا تصنيفه, كما يمكن التأكد من ذلك بتفقد أرفف المكتبات لنجد التصنيف قائماً ومنوعاً.
* ما رأيك في اتجاهات القراء حاليا?
* إذا كانت الكتابة الحالية تخاطب فئة عمرية تنحصر غالباً ما بين 15 – 25 عاما يمكن حينها أن ندرك بسهولة أن ذائقة القارئ قد تغيرت وأصبح اهتمامه منصباً على كتاب سهل يمكن أن يطالعه بينما يتنقل بالمترو أو بالقطار, بمكان دراسته, يتبادله مع زملائه, يتصفحه بين محاضرة وأخرى, برحلة مع الأصدقاء, وأصبحت الغاية من القراءة مجرد التسلية.
* هل تلعب المؤلفات دورا في هذا التحول?
* التيمة الغالبة حاليا في الكتب مادة بوليسية بحبكة مشوقة وألغاز مطروحة, كأدب الرعب, ومنه ينبثق الرعب الساخر, تليه الرواية الرومانسية ثم الاجتماعية, وغالباً ما يلجأ القارئ لاختبار هش قبل اختيار كتابه, فبمجرد أن يطالع كلمات الخلفية يصبح قادراً على إصدار حكمه على العمل.
* هل يعوض التواصل الإلكتروني والتكنولوجيا كتاب الأقاليم فيما يتعلق ببعدهم عن العواصم?
* انتمي لكتاب الأقاليم الذين لم تعد مشكلتهم الأساسية تتمثل فقط في مركزية القاهرة واحتكارها لأهم دور النشر بمصر والمكتبات الكبيرة على حد السواء, إنما اتسعت الإشكالية لتشمل توجهات القارئ في زمن ما يعرف بظاهرة “الأكثر مبيعا”, فأصبحت الكتابة تفصل حالياً على مقاس القارئ ليوجهها حيث شاء وليس العكس, وهناك أيضا ظاهرة غريبة تحددها الفئة العمرية للقراء وتختبر مستواهم الثقافي, وتتحكم بها الحالة الاقتصادية والظروف السياسية المعاصرة, وغالباً تهدف إلى ايجاد بعض أنواع من الكتابة السهلة بكل تعاريفها الدخيلة.
* كيف واجهت هذه الظاهرة?
* لا اتناول الأمر بشكل شخصي, لكن الفكرة مسيطرة علي, وتأبى أن تغادر عقلي لأنني قررت أن أمسك بالعصا من المنتصف باعتباري كاتبة تؤمن بأن الكلمة أمانة وأن للحرف الجاد دوي طلقة وأنتمي للمؤسسة الثقافية الرسمية ولدولة ما يعرف بالنقاد, وأحاول جاهدة أن تصل كتاباتي لجمهور القراء على اتساع ثقافاتهم وميولهم, وغالبا ما أتساءل, لماذا تحظى كتابات دون غيرها باهتمام القارئ ولماذا على وجه التحديد تستهدف فئة عمرية دون غيرها, ولماذا ترسخ السياسة العامة للنشر بمصر لهذا المفهوم وتدعمه بشكل أساسي?

الفعاليات الثقافية

* هل ترين أن الفعاليات الثقافية تضيف للواقع الأدبي?
* للفعاليات الثقافية دور كبير متى خرجت عن أطر الشللية واستبعدت الحسابات الشخصية وأصبحت مهمومة بتقديم الأجود فكراً ولغةً ومضموناً, أما ما يحدث الآن فهو مؤامرة بالغة الخطورة لأنها تفرغ الأدب من محتواه وتتعامل معه باعتباره سوقا يستوعب المزيد يومياً.
* لماذا تؤكدِين أن الأوساط الأدبية والثقافية لم تعد مناسبة ولا تواكب التطور الأدبي?
* أوساطنا الأدبية ممتهنة, فبعض الكتب التي تلقى رواجا – رغم ضعف محتواها – اعتمدت على مشروع دعائي كبير يدعمه جمهور القراء من ناحية, وما يعرف ب¯”أولتراس الكاتب” من ناحية أخرى وهم محيط المعارف والأصدقاء, وأخيرا تدعمه بعض دور النشر بهدف التربح. أليس غريباً أن تخرج علينا بعض الإصدارات ليحتفي بها ولتحتل أرفف المكتبات من دون أن تحظى بتدقيق لغوي مناسب لنجد هذا الكم الهائل من الأخطاء اللغوية الجسيمة التي تهدد كيان اللغة?
* ما أسباب ضعف مستويات القراءة في مصر والعالم العربي?
* تلك مشكلة المنظومة الثقافية حاليا التي اختصرت القارئ وطموحه في نوع سهل يرضي فضوله ولا ينمي ذائقته, ولا يطارد طاقات استكشافه بل يختزلها في مجموعة جمل هشة مجردة من أي جمال, وأتساءل هنا: متى تكون الغاية من الأدب المتعة يجاورها الإبداع? ومتى يمكن أن نعترف أن أديبا يمتلكهما قد امتلك الحسنيين? يبدو سؤالاً مرهقاً, فدور الكاتب أصبح قاصرًا على الظهور إعلاميًا وتحقيق قدر من الدعاية يسمح بالترويج لنوعية من الكتابات الضحلة.
* ما رأيك في ظاهرة الأكثر مبيعاً?
* أصبحت ظاهرة “الأكثر مبيعا” مسار جدل ونقاش شبه يومي ومشهداً تكاد لا تخلو منه يوميات المبدعين, وربما يرجع السبب لتبني دور النشر – على اختلاف توجهاتها وكبرى المكتبات – تلك القوائم التي يتهافت على متابعتها القراء الجدد لتحديد أولوية ما يمكن شراؤه بغض النظر عما تحمله من أفكار, فما معنى أن يحقق كتاب ما رواجًا ليتصدر قائمة الأعلى مبيعًا دون غيره من كتابات – وغالبًا ما يكون رواية – وما الشروط اللازمة لذلك? الأمر ببساطة ومن وجهة نظري لا يعدو عن كونه خدعة لترويج بعض الكتب دون غيرها, فبعض المدعين والمحسوبين على الوسط الثقافي ولفهمهم غير المحدود لآليات سوق الكتاب استطاعوا بمنتهى الحنكة تهميش دور الكاتب وتحويله من صاحب رسالة ودور ريادي إلى مجرد مستثمر ومستثمر فيه.
* أين دور الكاتب في هذا الأمر?
* أصبح دوره مقتصرًا على الظهور إعلاميًا وتحقيق قدر من الدعاية يسمح بالترويج لنوعية من الكتابات الهشة والفارغة من المضمون, التي تستخدم لغة بإيحاءات مستفزة وبأسلوب يميل إلى المباشرة والتسطيح, ليلعب الإعلام دوره الأكثر خطورة بحيث تُرَوِجُ لها برامج الفضائيات ونجوم الفن والسينما بغض النظر عن الدور الأساسي والمنوط به الأدب عمومًا سواء بالتقاط المعني أو إبراز القيم الجمالية للآداب والفنون.

سوق الرصيف

* ما تأثير سوق الرصيف الذي يزور الطبعات الأصلية من الكتب على الأدب?
* الطبعات المزورة تنتهك القوانين الأدبية وحقوق الملكية الفكرية وتنكر حق الكاتب ودار النشر على حد سواء وربما سنتفاجأ أن أكثر الأماكن ترويجاً لتلك المؤامرة هو سور الأزبكية الذي كان معنياً في المقام الأول بكتب التراث. ألا يبدو سخيفاً هذا التصدع الهائل الحادث بالمنظومة الثقافية? ولماذا يبدو السؤال مربكاً فعلاً لتغير مفهوم الأدب عموما? الأمر حقا بات صعبا للغاية.
* كيف يتصدى أدب الفترة المقبلة لحروب الجيل الرابع?
* لمصلحة الغرب أن تنخرط مصر في هذا النوع من الصراعات, خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة, فمجرد التشكيك في إمكانية قيام دولة ترسي قواعدها ثورة تؤمن بالحريات, يبدو فرضا يقودنا حتما للجنون. إنها محاولة لتتحول مصر إلى الاقتتال الداخلي, إضعاف ذاتي, وانقسام مجتمعي, بحيث لا تستطيع أن تفكر في خوض معارك حقيقية وفاعلة ضد الجهل, الفقر, المرض, أو معارك خارجية لضبط موازين القوى في المنطقة.
* هل يمكن أن يواجه الأدب ذلك?
* على الأدب أن يكون صمام أمان للأمة, فالثقافة وحدها قادرة على بناء شخصية حوارية قادرة على تفنيد الخبر وتمحيصه للوصول إلى الحقيقة, فالعقول القادرة على الفحص والاستدلال من الصعب اختراقها أو خديعتها باسم الدين أو الحرية ببساطة, لأن الفكر نوبة يقظة من الصعب إغفالها.
* ما تقييمك لدور النقد العربي في الفترة الحالية?
* متى تكلمنا عن النقد العربي أشرنا إلى النصوص الموازية, فلابد ألا يخلو نقد حقيقي لكتاب جيد من مساحات الدهشة التي ربما تنافس الكاتب وتضعنا في تصور واضح وصريح مع الغاية من النقد ودوره في وضع الآداب والفنون في مكانها. النقد الأدبي يمر بمرحلة مخاض يتعرض فيها لولادات متكررة, بعضها عسير, وبعضها هين, والمهم أن النظرية النقدية المعاصرة لم تعد كما كانت الحال في السابق, ذات وجه واحد بل أصبحت متعددة الأشكال ومتباينة الوجوه.