حزامة حبايب: فلسطين…أبٌ يورِّث أبناءه الحلم والحكايات روائية وقاصة تتمنى أن تظل تكتب انطلاقاً من الشغف أولاً وأخيراً

0

القاهرة – إيهاب الحضري:

رغم عشرات الروايات التي تقدمت للمنافسة على جائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة لأفضل رواية عربية، لم تر لجنة التحكيم ايا منها تستحق الفوز، فتقرر استقدام رواية من الخارج، وهو مسموح قانونًا في لائحة الجائزة، وهي “مخمل” للكاتبة الفلسطينية حزامة حبايب، وهي رواية جديدة على الأدب الفلسطيني إذ لا تدور حول القضية السياسية المطروحة وما يتعلق بها من أحلام العودة، ولكنها حكاية عن نساء المخيمات الفلسطينيات في الأردن، عن الفلسطينيين الذين تمضي حياتهم من دون أن يلتفت لهم أحد، بلا تدوين، بلا توثيق، حياة هامشية، في حين تحتل الدراما مركز الصدارة.
حزامة، روائية وقاصة من مواليد 1965 أصدرت كتابات عدة منها مجموعات قصصية مثل “الرجل الذي يتكرر” و”شكل للغياب”، كما صدرت لها أكثر من رواية منها “أصل الهوى” و”قبل أن تنام الملكة”، فضلًا عن ديوان شعر بعنوان “استجداء”. تتحدث حزامة عن الجائزة، الرواية، الكتابة، وطبعًا فلسطين، وطنها الذي تحمله فكرة ومعنى، ولا يتوقف حنينها إليه مهما طالت السنوات، ومهما بدت العودة من المستحيلات.

أريد أن أسألك عن جائزة نجيب محفوظ التي منحتك اياها الجامعة الأميركية ، لماذا تعتبرينها الأرفع عربيًا كما صرحتِ في حوار سابق؟
برأيي، استطاعت جائزة نجيب محفوظ للأدب، على مدى تاريخها، أن ترسي معايير خاصة في اختيار الروايات التي ترى أنها تليق بجائزة تحمل اسم “عرّاب” الرواية العربية الحديثة، وهي مسألة تطورت مع الوقت لتتحول الجائزة، ككيان مؤسسي، إلى مرجعية بحد ذاتها على الأقل ضمن الحد الأدنى الذي لا يخيب التوقعات. ولعل ما يميز هذه الجائزة عن العديد من الجوائز الأخرى، خصوصا المستحدثة منها، أنها لم تسلك في العموم مساراً آمناً أو متوقعاً في اختياراتها، ولم تخضع في الغالب لسطوة السائد والدارج، كما لم “ترهبها” الأسماء التي تعتقد أنها “محصَّنة” من النقد، مترفِّعةً عن الضجيج الإعلامي الذي يرافق أعمالاً بعينها. منحازةً – بقدر كبير من الموضوعية – للكتابة التي تتسم بالجدية والأصالة والاختلاف والإخلاص للشرط الحكائي. وأعتقد أن الجائزة باتت تتحمل مسؤولية أكبر تجاه خياراتها، إدراكاً من القائمين عليها بأنه كما يضيف اسم الجائزة للعمل الفائز ويعزز أفضليته ويسهم في توسيع دائرة مقروئيته، فإن العمل الفائز أيضاً يضيف للجائزة ويرتقي بها ويعزز مكانتها وحظوتها بوصفها الأرفع والأكثر انتقائية.
كيف تنظرين للجائزة بكل هذا التقدير رغم أن مردودها المادي هزيل للغاية؟
من المعروف أن قيمة جائزة نجيب محفوظ للأدب معنوية، أو أدبية خالصة، والمكافأة المالية التي تقدمها تكاد لا تذكر، وهذا أيضاً عزز من أهمية الجائزة التي يتطلع إليها معظم الروائيين العرب باعتبارها تقديراً يتجاوز أي اعتبارات مادية.
على المستوى الشخصي، ما عزّز من قيمة الجائزة بالنسبة لي هو أنني لم أرشّح نفسي لها، لذا كانت مفاجأتي كبيرة حين تم إبلاغي بالفوز، وأن روايتي “مخمل” كانت خيار لجنة التحكيم، من وسط ترشيحات عدة تلقتها اللجنة سواء من دور نشر أو من مؤلفين، ضمن آلية ترشيح مرنة تعتمدها الجائزة.
أسألك سؤالًا مكررًا وتقليديًا وأتمنى أن أحظى بإجابة استثنائية: ما أهمية الجوائز للمبدع؟ وهل يمكن اختزال قيمتها في المقابل المادي فقط؟
حسناً، الجوائز مهمة، ولا يمكن لأي روائي، مهما بدا زاهداً، الادعاء بأن الأمر لا يعنيه؛ فالجائزة اعتراف –رسمي– به، وقد تثير لديه شعوراً، ولو مؤقتاً، بالرضا. ولا يجب أن نغفل كذلك “الضوء”الإعلامي المبهر الذي يطال الكاتب والرواية، سواء كان الكاتب في عداد”المجهولين” أو وربما المغيَّبين إعلامياً، أو كان اسماً مكرَّساً تحتاج “أناه”إلى أن تحظى باعتراف متجدد (وهو حق مشروع طبعاً). ثم علينا أن نعترف أن “المكافأة” المادية التي تقدمها بعض الجوائز (بالنظر إلى أن الكتابة في المنشأ في عالمنا العربي لا تطعم خبزاً) والوعود بالترجمة (خصوصا أن “العالمية” تشكل عقدة لبعض الكتّاب العرب!) أيقظت شهوة الكتابة والفوز لدى عدد كبير من الروائيين (وحتى الشعراء الذين هجر بعضهم الشعر أو “عطّلوه” لصالح مغامرة السرد، لم لا؟) ومع تسابق جهات عدة لتبني جوائز “مغرية” للاحتفاء بالرواية العربية، طغت الوفرة في الأعمال الروائية على حساب القيمة الأدبية. ويُخشى – إذا استمر الوضع على هذا المنوال – أن تتحول الجوائز في النهاية إلى قيمة مادية فقط أو “تظاهرة احتفالية” عابرة، وسط تراجع سوية الاختيار، وهو ما لمسناه للأسف في جوائز عدة، فاجأتنا باختيار أعمال مخيِّبة للتوقعات ودون المستوى. مهما يكن، لا أحد يملك أن يحجر على الكتابة، ولسنا هنا بصدد التحجيم أو التحطيم. وبالتأكيد، من حق أي كاتب التقدم لأي جائزة، فهذا لا ينتقص منه أو من عمله. لكن أياً كانت طبيعة الجائزة وقيمتها المعنوية أو المادية، فإن الحكم في النهاية للتاريخ، والتاريخ لا يرحم.ثمة أعمال سوف تسقط، بالمعنى القيمي والأدبي، حتى وإن حصدت عشرات الجوائز، وأخرى تعرضت لظلم فادح وتم تجاهلها أو تغييبها لسبب أو لآخر، سوف تنال التقدير الذي تستحق، وسوف تحفر اسمها في ذاكرة السرد الأبقى. هي مسألة وقت ليس إلا.
هل نجحت الجوائز العربية حتى الآن في تقديم أعمال روائية، يصح أن نقول عنها “عالمية”؟
هل سمعنا عن رواية عربية حديثة شكّلت حديث الأوساط الأدبية الغربية، وتحديداً الأنغلوفونية، علماً أن الترجمة المنشودة هي في الغالب للغة الإنكليزية؟ الجواب متروك للقراء والنقاد. وأظن أن إجابتي هكذا تكون واضحة.
تبدو “مخمل” لمن يقرأها وكأنها نتاج حالة شعورية عارمة قبضت عليكِ ولم تتمكني من الفكاك منها، أكثر من كونها فكرة لمشروع روائي، هل هذا صحيح؟
لا يوجد تعريف واحد ومحدد للرواية. لكن لنقل بأن الرواية – في أحد تعريفاتها – عبارة عن “عمارة” حكائية تشمل منظومة أحاسيس وأفكار ومناخات نفسية وأطوار عاطفية، وتحولات إنسانية، وطغيان مزاج عام، وخلق مستمر ومتواصل، وأشياء كثيرة متشابكة ومتداخلة يصعب أحياناً فهمها وتمييزها. هذه العمارة السردية التي تتألف من طبقات ومستويات لا تتخلَّق مرة واحدة؛ قد تبدأ من إحساس ما، طاغٍ في الغالب، أو قد تنطلق من فكرة ما أو ومضة، قبل أن تتطور في اتجاهات عدة.أتحدث هنا طبعاً عن تجربتي الشخصية في الكتابة الروائية. “مخمل”انطلقت من لحظة شبه حلمية، لصورة حية جداً لامرأة، خلقت حالة شعورية غامرة لدي، وظلّت قابضة على فكري وحواسي لأيام، لكن يقيناً هذه الحالة الشعورية، وإن كانت بمثابة الشرارة السردية الأولى إلا أنها ليست كافية لبناء المشروع الروائي، منها استولدتُ صوراَ وأفكاراً وعواطف، ومنها سرتُ في طرقات “مخمل”، بالمعنى النفسي والذهني، ومن مشهد امرأة تخوض في الطين إلى خلق شخوص روائية تطورت معالمها تدريجياً. وطبعاً بالتوازي مع هذه الحالة العاطفية والذهنية التي قبضت عليّ تماماً، انطلقتُ في عملية استقصاء ومعايشة مضنية، كجزء من بناء عمارتي الحكائية. وأعتقد أن الاستسلام للصورة الحلمية لامرأة الطين، التي تحولت إلى “حوا” في رواية “مخمل” إنما هو استسلام للشغف، والشغف هو أصل الكتابة. وأنا أتمنى بحق أن أظل أكتب انطلاقاً من الشغف، أولاً وأخيراً، وأن أظل أعيش الكتابة حباً وافتتاناً ما حييت.حين تتحول الكتابة إلى صنعة، وصنعة فقط، أخشى أنني سوف أفنى معنوياً.
قلتِ في كلمتك بالجامعة الأميركية بالقاهرة إنه رغم ان بعض نساء “مخمل” القاسيات العاتيات المعذِبات لا يملك القارئ إلا أن يتعاطف معهن وهو يشاهد نهايتهن، شخصيًا انتابني خليط من شماتة وأسى، تعاطف مشوب بأن هذا هو مصيرهن المرضي لي، لا أعرف شعورًا محددًا يمكن أن أعبر عنه بكلمات، ولكن ما لفت انتباهي تأكيدك على أن ثمة تعاطفا معهن، أو مع حكاياتهن، لماذا؟ ومن أين لكِ بهذا اليقين في خصوص تلقي القارئ لقصصهن؟
من حقك، كما من حق أي قارئ، أن تعيش أي شعور ينتابك. لكن علينا أن نتذكر أن الإنسان ليس كائناً ذا أبعاد واضحة ومطلقة، يمكن تحديدها بمسطرة قياس، أو تصنيفها بمنطق الأبيض والأسود، بل هو كيان عاطفي مركب ومعقد. الصواب ليس بيناً تماماً والخطأ، في ظرف ما، ليس خطأ تماماً أو على الأقل يمكن تفهم أسبابه ودوافعه في سياق بعينه.ونساء “مخمل” الشرسات والقاسيات، قبل المحبات العطوفات، قد يستدعين تعاطفاً أكبر من القارئ، خصوصا إذا ما قيض لنا أن نطلع على تاريخهن، أو بعض فصول منه، كنساء حُرمن من الحب والحنان والحياة السوية. قد تبدو “حوا” الشخصية المركزية في “مخمل” ضحية مجتمعها شديد الغلظة، وعلى نحو أكثر إيلاماً ضحية كل من جدتها”الجبارة” التي كانت سبباً في زواجها من رجل مقيت وأمها “المنهزمة”التي لم تختبر “حوا” معها أي مشاعر أمومة. لكن المرأتين حين يكسرهما المرض أخيراً، لتتداعيا كأنهما جبلان من رمل، فإنهما تستدران كل مشاعر العطف والحب لدى حوا، التي لم تسمح لروحها أبداً رغم كل أشكال الانتهاك الذي تعرضت له بأن تتشوه أو أن تخبو. تكويننا الإنساني السوي يجعلنا نتعاطف ربما مع المرأتين، بوجه من الأوجه، لا لشيء إلا لأن حياة كل منهما – في الشق الغالب منها – لم تكن خياراً حراً. بالنسبة لي لا يوجد حب مطلق أو كراهية مطلقة، تماماً كمفهوم الخير والشر القابلين للانزياح.
تتحدثين بأسى رهيب، وحنين جارف إلى وطن لم تعيشي فيه، لم تخبري دروبه، تفتقدين بيتًا لم تكن لك فيه ذكرى يومًا ما، كل ما تملكين عنه ليس أكثر من حكايات مستقاة من الأب. ما هذا الحنين اللامحدود لماضٍ لا تعرفين عنه سوى الحكايات؟ لبيت لم تبيتي ليلة فيه، ولوطن لا تزالين تحلمين بالعودة إليه رغم أنك لم تعرفيه؟ ما السر؟
أنتمي للجيل الثاني من النكبة، على اعتبار أن أبي، الذي هُجِّر من فلسطين طفلاً، هو من الجيل الأول. وإذا كنتُ لم أعش في فلسطين ولم أطأ أرضها، فقد تسللت فلسطين إليّ، وانغرست في وعيي مبكراً جداً، لتصوغ كمعطىً فكري وعاطفي وإنساني هويتي. بدايات الهوية كانت من سؤال: “شو اسمك يا شاطرة؟!” كسؤال كان أبي يطرحه عليّ كل يوم، فأجيبه بذكر اسمي الرباعي، فخورة بأني أحفظ اسمي كاملاً، وهو جواب تعلّمتُ أن أقوله يومئذ لأي شخص يسألني عن اسمي في حال ضعتُ لسبب من الأسباب وأنا في طريق عودتي من المدرسة إلى بيتنا الكائن في إحدى الضواحي المكتظة بالفلسطينيين على شاكلتنا في إحدى مدن الشتات. “من أي بلد يا شاطرة؟”، سؤال أبي الثاني الذي يفترض أنه سينجيني مستقبلاً من الضياع: فأصيح بزهو كي يسمع كل البشر ربما صوتي: “من فلسطين!” وإذن، فلسطين كبرت “جوّاي”، وبطريقة ما نجتني من بعض الضياع. ولعل “بلادي” البعيدة، التي لم أعرفها بالمعنى المحسوس، أخذت كوطن تاريخي وكحيز نفسي وفكري حجماً هائلاً في حياتي وفي كياني العاطفي، حد التضخم أحياناً؛ فعاشت هي فيّ، وبقيت بلدي الجميل المشتهى المتوق له دائماً وأبداً، بلدي المنزَّه عن خطايا البلدان الأخرى. وعليه، فإن “فلسطينيتي” بمفهوم الوطن والهوية، إنما نبعت في أحد أوجهها من كوني أعيش استحقاقات حرماني من فلسطين، بلد الأب وقبله بلد الجد وجد الجد، بلد الأصل والجذر الذي اقتُلع عنوة. لقد عشتُ فلسطين وتشبعتُ بها من مكوّنات البيت الفلسطيني في الشتات، من ذاك الإحساس الأزلي – بالنسبة لي تحديداً – باحتمال “خسارة البيت”، وخسارة الأرض – أي أرض أكون فوقها – وخسارة المكان الذي يؤويني ويؤمِّن لي شرط الحياة، وما يعنيه ذلك من أنني قد أصحو ذات يوم لأجد نفسي في العراء (وهو كابوس تحقق فعلياً ذات حرب مباغتة لم أخترها ولا يد لي فيها، لأجد نفسي وقد فقدتُ البيت وحياةً شبه مستقرة في شتات لم أختره أيضاً، لأُقتلع من شتاتي وأُقذف في عراء بارد ومكشوف حرفياً) في تلك اللحظة استحضرتُ فلسطين، فبدت لي رغم بعدها الشيء الحقيقي والثابت في حياتي. أنا في لحظات كثيرة فارقة أستعيد فلسطين، أبنيها من حكايات العائلة، من لهجتنا الهجين، من غربتنا المتوارثة، من كل شيء في الغربة يذكرنا بأننا لا ننتمي إلى المكان، من طعامنا وبعضه طالع من الأرض مباشرة قاطعاً الحدود إلينا من قرية فلسطينية يفوح برائحة لا تشبه أي شيء آخر، من أغنيات النساء في الأعراس المشبعة بالوله، من قصص العجائز، ذوات الذاكرة المتيقظة، عن رجالات البلد الذين باعوا مصاغ نسائهم لشراء بنادق لقتال الإنكليز ثم لقتال الصهاينة. من الذاكرة الفردية تماماً كالذاكرة الجمعية. طبعاً أحنُّ إلى فلسطين التي أعرفها جيداً، وأحلم بالعودة إليها، ولا يملك أي أحد الحق أو السلطة بأن يجردني من حلمي ومن هويتي.
أين ذهبت فلسطين اليوم؟
باقية ما بقي التاريخ، أرضاً وشعباً، وسرديةً كبرى، وحقاً غير قابل للتفريط به، وجذراً متغلغلاً في عمق الحياة، وبيتاً لا يُهدم إلا لينهض ثانيةً من صخر صلد، وأباً يورث الحلم والحكايات وطفلاً يرث الحلم والحكايات.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

16 + ثمانية =