“حزب الله” اللبناني والانجرار للمستنقع العراقي

داود البصري

حملات التجييش الطائفي الرثة السائدة في العراق اليوم أفرزت وضعا عراقيا هو القمة في السوء والتردي, منذ أن برز العراق الحديث كدولة وكيان في العام 1921 على أنقاض التركة العثمانية, فالحرب الأهلية الطائفية الجارية هناك قد رسمت حدودا وآفاقا دموية مريعة, وسرعت في استحضار وتجهيز أدوات دمار وموت مجتمعي مؤسفة, ووسعت الشقة والفرقة بين أبناء الشعب العراقي وحرفت مسار العمل الوطني والعملية السياسية, ورسمت أبعادا مستقبلية مجهولة ليس للعراق فقط بل لعموم الإقليم والشرق القديم بأسره.
واعلان الإدارة الأميركية عن تدفق أعداد محدودة من الإيرانيين “الحرس الثوري/فيلق القدس” للعمق العراقي لمساندة نوري المالكي ليس بالأمر الجديد ولا المعلومة المثيرة أوالجديدة, لأن رجال الحرس الثوري في العراق متوغلون ومتغلغلون في عمق المنطقة البغدادية الخضراء, والجنرال الحرسي الإيراني قاسم سليماني هو الزائر والحاضر الدائم في ظلال المشهد العراقي وفي كل تفاصيل سيناريوهات الأحداث المريعة التي يعانيها. لقد أفرزت حملات التجييش الطائفية وطبول الحرب الأهلية لاستنفار ميليشاوي طائفي كامل ولاستدعاء الاحتياطيات الإيرانية المضمومة في الشرق والجاهزة للاستعمال الفوري في الأزمات المشتعلة. وبما أن المعركة الشرسة الدائرة في الشام لها ارتباط وثيق وصميمي بالأزمة العراقية لتشابه الكثير من المعطيات, فإن خطوط التوسع والتمدد الإيرانية قد طالت كثيرا وتمددت لمديات باتت تهدد باستنزاف إيراني واسع وكبير, ما يترك مؤثراته الموجعة على العمق الإيراني, المرحلة العراقية المقبلة ستشهد تدخلا إيرانيا مركزيا وفاعلا ولكن من خلال الاستعانة بالحليف اللبناني والعربي وهو “حزب الله” بميليشياته وقدراته العسكرية المعدة لأمثال هذه المواقف, والتي استعرضت قدراتها في العمق السوري من خلال مشاركة قوات النظام السوري في محاولات قمع الثورة السورية وحرب الجيش السوري الحر, وقدم هناك خسائر بشرية رهيبة زلزلت كثيرا من قاعدته الشعبية في العمق اللبناني, وللحزب حصريا دور سابق وفاعل في تدريب الميليشيات الطائفية العراقية كالصدريين مثلا وحيث لعب القيادي الراحل عماد مغنية دورا كبيرا في تدريب الطلائع الأولى لجيش المهدي في البصرة العام 2006 كما أن حكاية الإرهابي اللبناني موسى دقدوق الذي احتجزته القوات الأميركية وأطلقت حكومة المالكي سراحه في العام الماضي معروفة للأميركان قبل غيرهم. الإيرانيون يعلمون تماما بحجم المخاطر التي تهددهم في حال تدخلهم العسكري المباشر في النزاع الداخلي العراقي لذلك فإن الاعتماد على “حزب الله” يبدو مركزيا في خطة إدارة الصراع الإيراني في العراق خلال الحقبة المقبلة, وهو ما يعني مزيدا من التورط الدموي لحزب الله اللبناني في الرمال العراقية المتحركة, ما يشكل استنزافا كبيرا لقدرات الحزب العسكرية, وخسارة كبرى لسمعته السابقة باعتباره حركة مقاومة وطنية لبنانية انحدرت سريعا لتكون بندقية للإيجار في خدمة المخططات الإيرانية وبالوكالة, وإذا كان “حزب الله” قد قدم خسائر كبيرة في الحرب السورية فإن ورطته المستقبلية في العراق ستكون كارثية عليه وعلى بنيته العامة وحتى على مستقبله الوجودي, فليس في مصلحة “حزب الله” اللبناني التورط أكثر في المستنقع العراقي, وقيادة الحزب تعرف هذه الحقيقة المرة ولكن أوامر الراعي الإيراني قد تؤدي بالحزب لكارثة حقيقية, اللهم إلا إذا تدارك العقلاء الموقف بعد أن وضع العقل للأسف جانبا في حلبات الصراع الإقليمي المشتعل.
* كاتب عراقي

[email protected]

Print Friendly