حقوق العامل وتعثر الاقتصاد

0 116

د.لويس حبيقة

تتغير أسواق العمل مع تغير المجتمعات وهيكلية الاقتصادات، ولم يحصل العامل على حقوقه الكاملة بسهولة عبر التاريخ، بل تطلب ذلك الكثير من النضال حتى في أعرق الدول الغربية.
احترام حقوق العامل لم يكن يوما طبيعيا، بل حمته القوانين والمؤسسات العامة لأن الرغبة في قضم حقوق الفقراء والضعفاء والعمال تبقى دائما كبيرة.
لم يأت عيد أول أيار(مايو) بسهولة كعيد للعمال أو للعمل، اذ يبقى الخلاف قائما حول التاريخ بين 15 وأول اثنين من أيلول(سبتمبر).
أوضاع العامل تختلف من مجتمع الى آخر، لكن الحقوق تبقى حتى اليوم غير كاملة وغير محترمة كليا في معظم الدول حتى لا نقول جميعها.
ان وجود نمو أو ركود هو عامل أساسي في التأثير على طبيعة وهيكلية أسواق العمل.في أوقات التعثر، يصعب على المواطنين ايجاد وظائف دائمة ويتم الاتكال على العمل الموقت أي لساعات قليلة في النهار، أو لأيام معدودة في الأسبوع أو الشهر، أي باختصار عامل الوقت غير محدد ويتغير. توظف الشركات”غب الطلب” تبعا لحاجاتها مما يفيدها خلال الظروف الصعبة رغم أن التوظيف الموقت لا يكفي المواطن للعيش الكريم.
من ركائز الاقتصاد الرأسمالي أو اقتصاد السوق توفير الوظائف الدائمة بالشروط المقبولة تبعا لعمليات العرض والطلب، ومن مصلحة الشركات توظيف العامل بشكل دائم لأن تغيير العمال يضيع الوقت ويضعف الانتاجية. لذا التوظيف الموقت يجب أن يكون قسريا، فهو لا يمكن أن يشكل الحل للانتاج والولاء والاستمرارية.
لا شك أن المواطن العادي، عبر خصائص وظروف وشروط عمله، دفع ثمن تعثر الاقتصاد الدولي، اذ أصبح العامل اليوم أفقر وعرضة للمخاطر لأن دخله تدنى نتيجة العمل الموقت عوض الدائم مما سبب توسع الشرخ بين الأغنياء وما دون.
اقتصاد العمل الموقت كان تاريخيا الأساس والطبيعي في عمل الموسيقيين وموظفي المطاعم والفنادق والسائقين، لكنه أصبح اليوم يعم معظم القطاعات بسبب الظروف العالمية الضيقة. في الولايات المتحدة هنالك اربعة ملايين شخص يعيشون من الاكراميات في المؤسسات السياحية وغيرها، ثلثا العدد من النساء، علما أن آجر الساعة هو أدنى عند النساء أو 9.8دولار مقارنة بـ 12.95دولار للرجل.
المشكلة في فارق الآجر بين المواطنين انه لا يعود الى الانتاجية، بل الى الأمور الموروثة منذ عقود التي تميز بين الرجل والمرأة، وبين الأعراق ضمن الأجناس الواحدة، وهذا في غاية الظلم ويضر بالعمل والانتاجية.
يشكل العمل الموقت حلا مهما أو مخرجا في ظروف دقيقة، اذ يصبح الخيار للمواطن بينه أو لا عمل.
أصيبت حقوق العمال المعتمدة تاريخيا على الضمانات الاجتماعية والصحية لهم ولعائلاتهم والتي تترافق مع العمل الدائم في مؤسسة، أو شركة، أو حتى في القطاع العام.
شعور المواطن بعدم الاستقرار يضعف انتاجيته وايمانه بمستقبل اقتصاده، وتوافر الهواتف النقالة في السنوات العشرة الأخيرة سمح للمواطن بالعمل الموقت أو حتى من خارج المكتب، مما أفاد العمل النسائي من المنزل عندما تقضي الظروف العائلية به، و سهل هذا الواقع على الشركات تجنب التوظيف الدائم واللجوء الى الموقت الذي يفي الحاجات في ظروف اقتصادية متعثرة، فيما الوظيفة الموقتة ليست الحل لا للمواطن ولا للشركة، لأن العقد الاجتماعي وبالتالي الانتاجية تصاب في صميمها، وهذا ليس في مصلحة الفريقين.
هنالك فارق مهم بين الاقتصاد المشارك( Sharing) والاقتصاد الموقت( Gig) حيث في الأول هناك أصول تستثمر ارتكازا على خبرات معينة كما يحصل مثلا في نشاطات شركة” AirBNB” التي تسمح باستئجار غرف في المنازل بأسعار أقل مما تعرضه الفنادق، ونجاح الشركة أفاد القطاع السياحي العالمي، وسمح للعائلات بتحقيق دخل اضافي هم بحاجة اليه، أما في الاقتصاد الموقت، فالمثال الأفضل هو خدمات شركة”Uber”حيث تكون العلاقة خدماتية فقط، فلا تستعمل الأصول فيها مباشرة من قبل الطالب.
انتشار هذه الشركات خفض الأسعار ورفع الحركة الاقتصادية، وسهل على المواطن الانتقال. وتنتشر هذه الاقتصادات الجديدة اليوم لأن العمل الدائم الذي كان يشكل أساس العمالة تاريخيا في كل الدول غير متوافر بأعداد كافية، وبأجور تسمح بالعيش الكريم، ما يضطر عامل اليوم الى اللجوء الى الاقتصادات الجديدة لاكمال الدخل، أو للاتكال عليها عندما يخسر عمله في الظروف الصعبة.
هل يستمر ازدهار الاقتصادات الجديدة، وما الحل للبطالة المتفاقمة في أسواق العمل وبخاصة في الدول النامية والناشئة؟
أولا: من ناحية الطلب، لا شك أن التطور التكنولوجي ضيق الدورة الاقتصادية وجعل الشركات تواجه تحديات أكبر وأسرع، فقد خسرت الشركات عامل الوقت لتلبية حاجات السوق براحة، وتضطر اذا لتوظيف عمالة متحركة لتلبية طلب سريع متغير لا يمكنها الاتكال عليه بشكل دائم، وهذا يكون تحديا أيضا للعامل الموقت الذي لا يمكنه الاستقرار والاطمئنان، بل عليه أن يعمل جاهدا ليل نهار لارضاء رب العمل والزبائن ليحافظ على عمله لأطول مدة ممكنة.
ثانيا: تحديد الأجر في الأسواق الجديدة يعتمد على طبيعة العمل، أو الخدمة، كما على كفاءة وخبرة العامل التي تبقى مهمة حتى في الأعمال المعتبرة عادية، كخدمة المنزل أو المطعم أو الفندق، ونميز جميعنا بين عامل وآخر عندما نذهب الى مطعم، ولا شك أن الاكراميات تتبدل تبعا للكفاءة وحسن الخدمة وطريقة التخاطب.
ثالثا: الشركات الناجحة هي التي تدير نفسها بذكاء، فالشركات المفلسة هي التي تسيء معاملة موظفيها وعمالها ولا تتأقلم مع طبيعة الأسواق، أي تبقى المرونة أساس النجاح، ولا يمكن لأي شركة أن تنجح اذا لم تكن سلعها أو خدماتها مرغوبا بها في الأسواق، ويقول خبراء التسويق ان 90في المئة من عمليات البيع لا تتطلب الجهد بينما 10في المئة فقط يتطلب الاقناع، ونجاح الشركة يرتكز خصوصاعلى طبيعة العمل والانتاج، وليس على القدرة في التخاطب والتواصل.
رابعا: ترتكز الأسواق الجديدة على أمور ثلاثة أساسية، هي التكنولوجيا والتغير الديموغرافي، والمرونة في أوقات العمل، وهنالك تمييز واضح بين الوظيفة التي تتطلب حضورا في أوقات معينة وأيام معينة، والعمل الذي يعني اداء المهمة في الليل أو النهار وبالطرق التي يبرع فيها العامل، ولا شك أن الاقتصادات الجديدة تتطلب تغييرا كبيرا في طرق العمل من جانبي الطالب والعارض بحيث تأتي النتائج فضلى للمجتمع.
خامسا: ما هي المزايا التي يجب أن يتمتع بها العامل في الاقتصاد الموقت كي ينجح، اذ أن التحديات أكبر والأمان الوظيفي غير موجود؟
أولا: المطلوب الشجاعة والصلابة في مواجهة التحديات لأن ظروف العمل مختلفة، فاليأس ممنوع والقدرة على المواجهة مطلوبة.
ثانيا: المطلوب أن يتمتع الشخص بالمرونة لتحمل ضبابية العمل، وبالتالي القدرة على استيعابها والتأقلم معها.
لا شك أن على الناجح أن تكون له القدرة على التواصل لأن حسن الكلام مهم جدا للاستمرارية في أعمال موقتة غير مضمونة.
ثالثا: يجب أن يستطيع الشخص حل المشكلات التي تواجهه حتى في الأعمال البسيطة، بما فيها العمل في المطاعم والمؤسسات السياحية.
كم نواجه مشكلات بسيطة في المؤسسات السياحية، تكبر أو تصغر نتيجة الحوار المباشر مع العامل قبل أن تصل الى المدير أو الرئيس؟
رابعا: يجب على العامل أن تكون له بعض القدرة على استيعاب المواضيع المالية والتسويقية ضمانة له للاستمرار، أو للانتقال بنجاح من مؤسسة الى أخرى، فالظروف الصعبة تتطلب قدرات أكبر، والرغبة أكثر في تحمل المخاطر التي ارتفعت كثيرا عالميا في السنوات الخمسة الأخيرة.

خبير اقتصادي لبناني

You might also like