حكاية الـ “زلةُ بي” التي تحولت إلى “زلابية” فردوس المسلمين الضائع - 13

0 158

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

كان من عادات الطعام عند الأندلسيين تناولهم الطعام ثلاث مرات في اليوم، الفطور، يعتمد على الفاكهة والعصير، الحليب والقهوة، الخبز مع البندورة. بعد الظهر، يتناولون ثلاثة أطباق، الأول من المعجنات أو الخضار، الثاني من اللحوم، سمك أو ضان، أما الثالث فمن الفاكهة واللبن “الزبادي”. في المساء، يتناولون طبقا طعام واحدا وفواكه.
في أمسيات الصيف الحارة، كانوا يجلبون الثلج من أعالي الجبال ويضربونه بالعصير ويقدمونه مع الفواكه، بما يشبه ما نعرفه اليوم بالبوظة أو الآيس كريم.
كما برعوا في استخدام بعض أصناف المكسرات مثل، اللوز، الجوز، الفواكه المجففة، وتميز المطبخ الأندلسي في صناعة الخبز بطرق عدة.
كانت “البناضج” تصنع من عجين الحبوب مضافا إليها، الزيت، الجبن، ثم تخلط بماء دافئ، للحصول على عجينة متماسكة، تقسم إلى قطع صغيرة، يضاف إليها ملعقة من اللحم المفروم المخلوط بالبقدونس، ثم توضع في الفرن.
أما أكلة “البايلا” الأندلسية أو ” البقية”، فكانت تتكون من فواكه البحر والأرز، المطبوخ في الفرن، المضاف إليها الفلفل الأحمر والأخضر المفروم، الحبار البحري، الجمبري، مزينا بقطع الليمون، مخلوطة بالتوابل والبهارات.
يحكى أن سبب التسمية أن الخدم كانوا يجمعون بقايا الطعام من ولائم الأمراء الباذخة من السمك، اللحم، الدجاج، الأرز، بعد اختلاط الأرز بالسمك، الدجاج، اللحم، ويقدمونه للفقراء والمحتاجين.
يقال إن أحد الحكام الأندلسيين دخل إلى المطبخ فوجد الخدم يتناولون طعامهم، فتذوقه ووجده لذيذًا، سألهم عن اسم الأكلة، فقالوا: إنها مجرد بقية، أي بقايا الطعام تم مزجه في صحن واحد.
منذ ذلك الوقت أصبح الحاكم الأندلسي يطلب من الطباخين أن يعدوا له الطبق نفسه، حتى أصبحت أكلة قائمة بذاتها، أساسها الأرز .
هاجرت تلك الأكلة مع من هاجر من الأندلس إلى بلاد المغرب، الذي يعد الحاضن الرئيس لتراث الأندلس، تقدم حاليا في مطاعمها، بينما اشتهر هذا الطبق في مصر باسم “الصيادية” أو “الأرز بالسمك”، إذ انتقل إليها مع بعض الأندلسيين الذين استقروا بها عقب اجبارهم على ترك بلدهم، بينما تعد الأكلة الرئيسة والأشهر بين أهل “بلنسية” حتى اليوم.
اشتهر الأندلسيون أيضا بصناعة الحلوى بأشكال متعددة، منها حلوى “البستنيو الأندلسية”، التي يكثر تناولها في شهر رمضان لأنها تمد الجسم بالطاقة والسكريات التي يفقدها أثناء الصيام، كما كان اليهود يتناولونها بكثرة في أعياد الفصح.
تصنع الحلوى من خليط الطحين، الماء، الخميرة، أحياناً يضاف إليها حبات السمسم، لتخلط جميعها وتعجن ثم تقلى في الزيت، بعدها يصب عليها العسل، وهي تشبه إلى حد كبير حلوى الشباكية المغربية، حلوى أصابع زينب في بلاد الشام ومصر.
كانت الراهبات في الأديرة يصنعنها في الأعياد، بعد استبدال زيت الزيتون بشحم الخنزير وإضافة النبيذ،وما زال الأسبان حتى اليوم يصنعونها.
أما حلوى “آذان القاضي”، فكانت تصنع بخلط الدقيق مع البيض والزيت، ثم تعجن، من ثم تفرد وتقسم شرائح، تشكل كل شريحة بشكل اسطواني مستدير، ثم تقلى في الزيت، تترك قليلًا حتى يصفى منها الزيت، ثم يصب فوقها القطر.
يحكي صاحب كتاب “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب”، أن القاضي “أبا الوليد هشام الوقشي”، حضر يومًا مجلسًا لابن ذي النون، الذي قدم للحضور نوعا من أنواع الحلوى اسمها “آذان القاضي”، مع فاكهة تسمى “عيون البقر”، فتهافت عليها جماعة من خواصه، أكثروا من أكلها، ثم تندروا على القاضي.
فقال المأمون بن ذي النون للقاضي: أرى أن هؤلاء يأكلون آذانك.
فقال له: وأنا أيضًا آكل عيونهم وكشف عن الطبق وجعل يأكل منه.
انتقلت تلك الحلوى مع الأندلسيين الذين هاجروا إلى تونس بعد قرار الطرد، إذ عرفت باسم “وذنين القاضي”، في ليبيا عرفت باسم “الدبلة”.
اشتهرت أيضا حلوى “السمبوسك”، التي تعد من أشهر الأطباق التي تقدم في موائد رمضان، ذكرها كثير من المؤرخين، لأنها كانت توجد على موائد النبلاء والأمراء، كانت تحشى بأطايب اللحوم، السمن، الخضر.
ذكر “ابن بطوطة” فى رحلاته، كيف كان هذا الطبق مدللًا في بلاط السلاطين، فمرة يكون محشوا باللحم والخضار، مرة باللوز، الفستق، الجوز، مثل القطائف أو فطائر السبوسك التي نعرفها اليوم.
كانت تسمى في الأندلس “جوداية” أو “سنبوسك” بالنون، أو “سنبوسج” بالجيم، كانت تحشى بالثوم والتوابل مخلوطة باللحم، أو بالسكر واللوز ثم تقلى على شكل مثلثات، بينما كانت تحشى في المشرق باللحم والبيض، ما زال الأسبان يصنعونها حتى اليوم، باسم “إنبنادياس”.
كما تعد من الأكلات الأكثر شهرة وشيوعا في المغرب، تعرف باسم “بيريوات”، إذ تحشى محشية باللوز والمكسرات، ثم تقلي بالزيت، بينما تعرف في الجزائر باسم “البورك”، عرفت في تونس باسم “البريك دنوني”، بعدما صنعتها عائلة أندلسية استقرت في تونس وأعجبت التوانسة.
تعد “الزلابية”، حلوى الفقراء والأغنياء، ذات الأصل الأندلسي، يكثر الإقبال عليها في شهر رمضان، تقدم للضيوف، توزع كالصدقات أحياناً، في الجوامع والمساجد بعد الإفطار. تختلفُ الروايات حول أصلِ تسميتها بهذا الاسم، منهم من يقول أنها من تسميةِ زرياب الأندلسي الذي ابتكرهَا عندما سافرَ إلى الأندلس، حيث حُرف اسمه من زرياب إلى زلياب.
منهم من يقولُ أن أحدَ التُجّارِ أمرَ طبّاخَهُ بطهِي الحَلوى فلم يكن في المطبخِ سوى الزيت، السكر، الدقيق، فخلطها، ثم عجنها ووضعها في المقلاة، عندما رأى الزلابية غريبةَ الشكلِ قال باستهجان: إنها “زلَةٌ بيَ”، أي أخطأت في إعدادِها طالباً عفو سيده، فأصحبت تسمى “زلةُ بي”، فنطقت تخفيفا “زلابية”.
انتشرت بعدما استحسن الناس طعمها، فصنعوا منها زلابية مالحة وأخرى سكرية، ما زالت تصنع حتى اليوم فى أسبانيا والبرتغال، كما انتقلت إلى بلاد المغرب، مصر، الشام. كذلك ابتكر أهل مدينة شريش، حلوي تسمى “سينو”، تحضر من البيض والماء والسكر، تشبه اليوم “الكريم كاراميل”. أما “القرص”، فكانت تصنع من عجين الحبوب مضافا إليه الزيت، الجبن، ملعقة من اللحم المفروم المخلوط بالبقدونس، كانت تؤكل في عيد الأضحى ، مناسبات الزفاف، عند عودة الحجيج.

You might also like