حكم الأشباح في الجزائر

0 111

لم يخرج الشعب الجزائري معارضاً إعادة انتخاب الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة إلا بعدما أعياه الصبر من السياسات التي استمرت عقدين من الزمن، ولم تُقدِّم له ما يمكن أن يخرجه من أزمته المعيشية التاريخية، في بلد يعتبر من الدول النفطية، ولديه نسبة لا بأس بها من الشباب الباحثين عن فرص عمل تقيهم من غول الفقر والعوز، فيما هناك طبقة تتحكم بكل شيء.
في الأحداث الأخيرة ثبت للجزائريين والعالم أن الرئيس الحالي مجرد واجهة لقوى أخرى متحكمة بالقرار السياسي للدولة، وهي متوزِّعة بين الجيش وحزب جبهة التحرير الوطني، الممسك بالحكم منذ ستينات القرن الماضي، وتجلت الصورة بوضوح بعد اجتماع بوتفليقة مع الأخضر الإبراهيمي والتصريحات التي أدلى بها الأخير، وفهم الجميع منها أن الرجل الأول في الدولة لا يدري عما يدور حوله.
منذ بدء ما سُمِّي سنوات الجمر، بعد انتخابات عام 1992، عاشت الجزائر حرباً أهلية، استغلتها القوى الحاكمة لتثبيت سُلطتها في مفاصل الدولة، وسنت سياسات إقليمية وعربية بعيدة كل البعد عن رغبات الشعب، لاسيما في رعايتها لجبهة البوليساريو الساعية إلى الانفصال عن المغرب، وإقفال الحدود بين البلدين، والتغريد خارج السرب الأفريقي، والتنكر للموقف التاريخي المغربي الداعم والمؤيد للثورة الجزائرية على الاحتلال الفرنسي والثمن الباهظ الذي دفعته المملكة المغربية في بدايات استقلالها جرّاء ذلك.
أضف إلى ذلك السياسة الكيدية إقليمياً في الخروج على التضامن العربي، لاسيما بالعلاقات مع عدو دول الخليج النظام الإيراني، وتشجيعها القلاقل التي شهدتها بعض الدول في ما يُسمى “الربيع العربي” وموقفها الغامض حيال الأحداث في تونس وليبيا، ما دفع إلى زيادة عزلتها عربياً، وهو ما انعكس سلبياً على وضعها اقتصادياً، إضافة إلى عدم قبول اليد العاملة الجزائرية في هذه الدول.
تحتل الجزائر المرتبة السابعة في الاحتياطات النفطية، والرابعة بالغاز، عربياً، ولديها ما يكفي من الدخل السنوي لإطلاق ورشة تنمية هائلة، وأن تكون لديها حركة تعليمية كبيرة، غير أن المفاجأة أنه رغم هذه الثروة الهائلة، تبلغ نسبة الأمية حاليا 12.3 في المئة، والبطالة 11.1 في المئة، وهذا يؤدي إلى ارتفاع معدل الجريمة حيث احتلت المرتبة 49 عالمياً في هذا المجال، وكل هذا بسبب الفقر والفساد المستشري بمؤسسات الدولة.
كل هذه الأسباب دفعت بالجزائريين إلى الخروج للشارع ورفض استمرار الوضع على ما هو عليه، لأن دوام الحال من المحال، خصوصاً في ظل التراجع المستمر بتأمين فرص العمل للشباب الذين وصلت نسبتهم إلى نحو 45 في المئة، وغياب التخطيط السليم، والمركزية التي يتحكم عبرها حزب جبهة التحرير الوطني والجيش بمفاصل الدولة ككل.
في الشكل يبدو أن الجزائر تحكم عبر سلسلة مؤسسات، لكن في الجوهر هي محكومة من أشباح أتقنوا فن التخفي، ولذلك فإن رفض الجزائريين حاليا تمديد ولاية بوتفليقة عبر تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى إنما يضع البلاد على كف عفريت الفوضى، وتكرار سنوات الجمر والعودة إلى الحرب الأهلية التي حصدت في عشر سنوات 1.5 مليون نسمة، أي أكثر من خسائر حرب التحرير الذين بلغوا مليون شهيد.
من المفيد جداً أن ينظر أصحاب القرار في الجزائر إلى كلِّ تلك المشكلات، وألا يدفعوا ببلدهم إلى الحرب من أجل التمسك بحكم الأشباح.

أحمد الجارالله

You might also like