حمد بن عيسى… ملك دلمون أرض الحياة والإشعاع

0

أحمد عبد العزيز الجارالله

حين تقارن بين مراحل التاريخ القديم والحديث وحاضر البحرين ترى ترجمة لواقع لم يتبدل منذ آلاف السنين، فدلمون، هذه التسمية التي أطلقت عليها في اللغة السومرية تعني أرض الحياة، وهي لا شك في نظر الأقدمين كما جاء في ملحمة جلجامش ” بلد دلمون مقدس، بلد دلمون نقي، بلد دلمون مغمور بالنور، متميز بالإشعاع”.
على هذا الإرث الثقافي الحضاري العريق يبني الملك حمد بن عيسى آل خليفة رؤيته الى مملكته، وشعبها الذي كانت له مواقف يسجلها التاريخ كمثال على وحدة وطنية مثالية، ففي هذه الجزيرة الوادعة كان أول امتحان في عام 1970 حين بدأت حركة الاستقلال في الخليج العربي، يومذاك أطلقت طهران الشاه سلسلة مزاعم عن أحقيتها بالبحرين، وأثارت علامات استفهام كثيرة حول حكم آل خليفة، غير أن نتائج الاستفتاء الذي أجرته الأمم المتحدة وبطلب من الشيخ عيسى آل خليفة، في ذلك الوقت، قطعت دابر تلك المزاعم إذ أعلن الشعب البحريني كله الولاء التام لحكم الشيخ عيسى بن سلمان وآل خليفة.
يومها، يذكر من عاصر المرحلة كيف أن أسراً من أصول فارسية رفضت تأييد حكم الشاه، وبلغت نسبة خيار الاستقلال الوطني تحت ظل آل خليفة 100 في المئة، في سابقة لم يشهد مثلها تاريخ الأمم المتحدة.
ولأن هذا الشعب يؤمن أن الحياة وحدة، وأرضه أرض الحياة، عمل بجد من أجل تحويل البحرين مركزاً مالياً عالمياً له مكانته في العالم، ومثالاً على العلاقة بين الحاكم والشعب، وهو ما ينظر اليه الملك حمد بن عيسى كنتيجة طبيعية لدولة راسخة مستقرة لا تهزها العواصف والأنواء التي تهب عليها.
منذ قيام حكم الخميني في عام 1979 كانت مسألة التوسع أساسا في نهج ايران، بل أدرج الملالي ذلك في دستورهم تحت عنوان”تصدير الثورة”، ورأوا أن المعبر المهم لهم باتجاه الخليج هو البحرين، فبدأوا منذ ذاك التاريخ العمل على زعزعة استقرارها، لكنهم بعد 39 عاماً من المحاولات الفاشلة أيقنوا ان هذه الدولة عصية، وليست، رغم صغر مساحتها، قابلة للابتلاع، فانتقلوا من شرق الجزيرة الى جنوبها، حيث وجدوا ببعض العصابات اليمنية فرصة للانقضاض على المملكة العربية السعودية، وبقية دول الخليج العربية.
في مجلس الملك تسمع منه التأثر الشديد بذاك التاريخ، وقوله:” ان ما قدمه البحرينيون من تضحيات طوال العقود الماضية، ومنحهم الثقة التامة لنا في ادارة شؤون الدولة، وتأييدهم للميثاق الوطني يشعرني بالخجل، كيف أرد لهم كل ما قدموه”، ولذلك فان الرد كان بالحكم العادل الرشيد، الذي يسهل تحقيق أمنيات الشعب، ويجعل أفراده مشاركين بكل مراحل بناء الدولة وتقدمها.
اليوم البحرين تتعافى من وعكة فرضت عليها من ضمن مخطط الأطماع التوسعية الإيراني، ومرت ببعض التوتر الأمني، ولأن الحكم العادل يضع الأمور في نصابها بحكمة، كانت لجنة تقصي الحقائق التي أمر الملك بتشكيلها في عام 2011، وجاء تقريرها المحايد أكبر الأدلة على سعي هذا الملك الى إرساء حكم العدالة، من دون تمييز بين مواطن وآخر.
هذه اللجنة وما تبعها من إجراءات ملكية، وحكومية، شكلت علامة فارقة في تاريخ الحكومات العربية، لأنها الفريدة في نوعها، وهي أيضا كانت محفزاً على معالجة هادئة لأسباب الاحتجاجات، خصوصاً في ما يتعلق بتحييد العناصر العميلة لايران التي ظهرت على حقيقتها في السنوات اللاحقة، وسعيها الى إجهاض أي خطوة تطور قانونية وإصلاحية، ويمكن القول إن تلك الإجراءات كانت بداية النهضة الجديدة، التي قامت عليها البحرين أكثر قوة وعزيمة وطنية.
منذ عام 1999 عمل هذا القائد على تطوير مرافق دولته كافة من خلال تحديث القوانين، والانتخابات النيابية وفقا لمقررات الميثاق الوطني، والبرلمان بغرفتيه، الشورى والنواب، جاعلا القانون الحكم بين مكونات الشعب كافة، يطبق بصرامة، فيعطى صاحب الحق حقه، ويعاقب الجاني من دون أي تهاون، لأنه رجل دولة قام حكمه على مبدأ”ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.
اليوم، في البحرين ترى الجميع منشغلاً باستعادة المكانة التاريخية لهذه الدولة، والفاعلية التي تميزت بها قبل موجة ما سمي الربيع العربي، خصوصا بوصفها مركزاً مالياً عالمياً، ومحطة سياحية تتنفس من خلالها دول “مجلس التعاون” والعالم، فالصفحة الأليمة طويت، وهناك اليوم تكتب ترجمة حديثة لمعنى “بلد دلمون مغمور بالنور، متميز بالإشعاع”، لأنه أرض الحياة وهو يستحق هذه التسمية، وملكه يستحق أن يكون ملك أرض الحياة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة + سبعة =