روائية وقاصة عمانية تفضل الغوص في الموروثات الشعبية

حمد: في سورية عرفت أن العالم أكبر من مزرعة جدي روائية وقاصة عمانية تفضل الغوص في الموروثات الشعبية

35-1

حين أنتهي من كتابة رواية أرتجف خوفاً من فكرة ألا تعود القصة القصيرة صالحة لمقاسي!

القاهرة- السيد حسين:
تفضل الكاتبة والروائية العُمانية هدى حمد، الحديث عن المورؤثات الشعبية, روايتها الجديدة «سندريلات مسقط»، تستعير حكاية «السندريلا» الشعبية، لتؤسس عالما روائياً خاصاً. تسعى لتحقيق حضور عربي يليق بمكانة عُمان وذلك منذ إصداراتها القصصية التي بدأتها في مجموعتها «نميمة مالحة»، «ليس بالضبط كما أريد»، «والإشارة برتقالية الآن»، وكذلك في مجال الرواية «الأشياء ليست في أماكنها»، وروايتها الثانية «التي تعد السلالم» حازت على المركز الأول في مسابقة الشارقة للإبداع العربي 2009، وجائزة جمعية الكتاب والأدباء كأفضل إصدار في نفس العام.وإلى تفاصيل الحوار معها:
* إلى أي حد تتقاطع روايتك «سندريلات مسقط» مع قصة «السندريلا» الأصلية؟
حكاية السندريلا، سواءٌ أكان أصلها شعبياً صينياً، أو فرنسياً، بعد أن كتبها شارل بيرو، تعدُّ من أقدم الحكايات الخرافية. وكما أشار ابراهيم العريس في مقال مُهم عن حكاية السندريلا، تعتبر الأكثر شهرة في الأرض قاطبة، وتُقرأ في مئات اللغات، وبالكاد تجد من لا يعرفها.عُمان عُرفتْ أيضا بالجنيات منذ أزل بعيد، وكم سمعتُ من حكايات الجنيات في خلوات القرية ولياليها المُقمرة، وأنا لا أميل كثيرا لأن يغدو الأمر مُرتبطا بالخرافة، أو بالتخلف والرجعية قدر ما أميل إلى أنّ المُخيلة العُمانية خصبة ومُنتجة للحكايات المُخاتلة.
منذ أن كنتُ صغيرة وأنا مُعبأة بهذا السحر الخاص والفريد من نوعه، وللأسف لم يتمكن الأدب العُماني غالبا من القبض على فتنته، أعني كما حدث في الأدب اللاتيني الذي أنتج «الواقعية السحرية» بينما اكتفى الأدب العُماني غالبا بحذافير النقل. وما إن تغيرت الحياة حتى اختفت الجنيات من حكايات الجدّات. كنتُ أفكرُ إن كنّ –أي الجنيات- انسحبن من حياتنا، فأين ذهبت قواهنّ، ثم تساءلت ماذا لو أنّ هذه الطاقة خرجتْ وأصابتْ النساء القابلات للتحول. كما حدث للسندريلا الأصلية.
جاءت الساحرة إلى «السندريلا» في الحكاية الأصلية وهي مُنكبة على الأعمال المُضنية، لتتيح لها فرصة التحول عبر ارتداء أحلى الثياب والمجوهرات، والحذاء الزجاجي، بينما ساحرات مسقط مُختبئات وينتظرن نساءً قادرات على التحول وراغبات بذلك بقوة، حتى وإن كنّ لا يفعلن ذلك إلا عبر الحكي المستمر.
*شخصيات الرواية «زُبيدة، فتحيَّة، ربيعة، سارة، تهاني، وريّا، عليا ، ونوف، كم اقتربت من الواقع؟
الكتابة بالنسبة لي تبدأ مما أعرف وأعي ومن الحكايات التي تتناسل حولي واقعيا أو حُلميا. كل ذلك يتماس مع كيمياء الكتابة. في حقيقة الأمر لا أود تسليط الضوء على قضايا النساء كما يظن البعض، لكني أؤمن كثيرا بكلام آني إرنو: «ليست وظيفة الكتابة طمس جرح أو علاجه، وإنّما إعطاؤه معنى وقيمة وجعله في النهاية لا يُنسى». هذا حقا ما أؤمن به، إعطاء التفاصيل الصغيرة معنىً جديداً.لذا فتحية تخشى الصورة المُعلقة في غرفة المعيشة، وسارة تدفنُ شتائم جدتها، ونوف تمنعُ جسدها من التفتح فتخسر العرسان، بينما لا تتخلى ربيعة عن الركض أبدا، لأنّ “التخلي” مرّة بعد أخرى جعلها لا تكاد تعرف نفسها. تهاني لا تحبُّ بناتها اللواتي سرقن أباهن منها، وريّا الفلّاحة لم ترسل الدمع في وداع “الخِصْب”، أمّا عليا فتُخبئ رسائل آليخاندرو وآناكرستينا لأن أمّها ضد الذاكرة، بينما زبيدة ترفضُ أن تجفَّ بئرُها لكي لا تصبح كعمتها مزنة.
مطاردة
*هذه الرواية بلا شك تؤثر في نفسية القارئ, ألم ترهقك؟
– كتبتُ كلّ امرأة من السندريلات الثماني على حدة.وهبتها وقتي واهتمامي، صحتي وغضبي. تغير شكل الرواية لأكثر من مرّة إلى أن استقر على الشكل الذي يبدو عليه الآن.قد يكون ما يتغير هو قليل الأهمية للقارئ العام ولكنه بالغ الحساسية بالنسبة لي على الأقل.وأكثر ما أرهقني أنهن كن يطاردنني بصورة لا يمكن لأحد أن يتصورها. إنهن راغبات في الحياة والحكي على حد سواء. ولم يتورعن عن دخول أحلامي والتدخل في التفاصيل التي لم تعجبهن. في لحظة ما، قلتُ في نفسي لقد تورطتُ حقا، وكان عليّ أن أبالغ في الحيطة والحذر ، ريثما يذهبن إلى المطبعة. تُدخلنا الرواية إلى أجواء فنتازية غير متوقعة، ولكن ما إن تبدأ الرواية بتفتيت حكايات الشخصيات، حتى نجد أنفسنا نصطدم بواقعية تُشبه اليومي والبسيط المعتاد من حياة النساء.
*كيف انتقلت من أزمنة بعيدة وأخرى قريبة بهذه الرشاقة من دون أن ادخال القارئ في متاهات؟
يحدث كل هذا ضمن طقوس العشاء الشهريّ، حيث يتسنى اللقاء بين ثماني نساء هاربات من البيت والأزواج والأعمال التي لا تنتهي. فتحكي خلاله كلٌّ منهنّ تجربتَها ومأزقَها ومخاوفَها وصراعاتِها. إنّها الحكايات العادية والبسيطة كما تبدو من الخارج وهي في الوقت نفسه بالغة الإيذاء، وكثيرا ما تتسبب في تدميرهن. السندريلات لسن كما يبدو لنا، أنيقات وجميلات وبالغات الرقة، إنّهن متحولات وحسب، وهن في بيوتهن شيء آخر تماما. والرواية تنتصر للحكي، فوحده الحكي يُخفِّف الآلامَ والبؤس، ويحوِّلهنّ إلى سيِّدات جميلات ومُدهشات.
*بعض الأدباء يراهنون على مغامرة التجريب في الشكل الأدبى الروائي القصصي، أنت رهانك في الغالب مختلف، هو رهان التفاعل المباشر مع حركة المجتمع من خلال العمل الأدبي.. فهل هو اختيار أم طبيعة تكوين شخصي لديك؟
– كنتُ أميلُ إلى الاقتراب من شيء مُهم اشتغلت عليه الكاتبة الكندية أليس مونرو بطريقة جذابة، وأعني «الواقعية النفسية»، فكيف يُمكن لأحدنا أن يُصور ما يجيش في نفوس الشخصيات وأرواحها دون أن يكون «الوصف» العام هو الأداة الوحيدة لفعل ذلك، وإنّما ما يمكن أن نُسميه بـ «تعييش» الأحداث وتحريكها. كيف يمكن أن يحدث ذلك دون الوقوع في فخ شعرية اللغة وغموضها أو مباشرتها الفجة. الأمر يحتاج إلى الكثير من المران والدربة. أما المغامرة الأخرى فهي تلك المتعلقة بالشكل الروائي. تلك الحبكة التي لا تنمو إلا لكي تدور حول نفسها مرارا وتكرار. إنّها لا تنفتح على نهاية واحدة وأكيدة، وإنّما نهاية مُخاتلة تقود غالبا إلى السطر الأول من الرواية.
تأثير المكان
*ما تأثير المكان عليك ككاتبة؟
– لطالما عشتُ في أمكنة مختلفة أنا ابنة القرية الصغيرة النائية، وكنتُ أجدُ أجمل خلواتي في بلدة بعيدة تنام على كتف جبل حيث سكن أجدادي الأوليين. عبثا تستطيع التصديق بوجود مكان كذاك، منسيٌ وخارج الزمن تماما. ذات المكان الذي توقظه الديكة كما توقظه الحكايات والشمس، وينام ليلا على قمر العفاريت والجنيات. وهنالك لا تكف النساء عن الأحاديث المُدهشة وكأن إحداهن عجنت من روح الكلام ومعدنه الأصيل. وكنتُ أقول في نفسي بحسرة: «يا الله.. في رأس كل إنسان حكاية جيدة، كم سيسعفني الوقت والزمان، لأكتب كل هذه الفتنة الأخاذة»؟
بعد ذلك كان لي حظ جيد بالذهاب إلى سورية، كانت منحة للدراسة هنالك. ولكم تغيرت الحياة آنذاك، ولكم تغيرت الكتابة. عرفتُ أنّ الناس ليسوا كما أظن مُتشابهين ويفكرون بطريقة واحدة، عرفتُ كتبا جديدة ومكتبات وجربتُ أشياء كثيرة للمرة الأولى في سورية، سينما الجامعة والأمسيات والنقاشات الصاخبة، ووقتها تأكدتُ وحسب أنّ العالم أكبر من مزرعة جدي. ومن ثم استقرّ بي المكان في مسقط حيث الحياة الموازية للقرية. وأظن أنّ هذا التنوع الجغرافي والفكري شكّل عوالم خصبة وحية ومُجربة وصالحة للكتابة.
* ما رأيك بالقصة القصيرة، وهل نحن نعيش زمن الرواية؟
– أعشق القصة القصيرة كثيرا، ولا أظن أني سأكف عن التمرن عليها، كما تتمرن راقصة باليه على ألا تفقد مرونة جسدها. لذا فور انتهائي من كتابة الرواية كنتُ أرتجف من فكرة ألا تعود القصة القصيرة صالحة لمقاسي! أصبحنا نبحث عن متنفس أكبر لعوالمنا وحكاياتنا، فالرواية ابنة المتغيرات والتعقيد الذي أصاب حياتنا، ولكن هذا لا يلغي أبدا القصة القصيرة كجنس أدبي مستقل ومكثف وعميق، ولكنها -أي القصة القصيرة- تمر بمرحلة من الخفوت بالرغم من أنّ الكاتب عزت القمحاوي كتب في إحدى مقالاته يتحدث عن أن القصة لا تزال مزدهرة في اليمن وعُمان والمغرب. إلا أن عُمان بدأت تحذو حذو دول الخليج الأخرى كالسعودية وبتنا نسمع عن الكثير من كُتاب القصة، وهم يحضرون أنفسهم لأعمالهم الروائية الأولى، أو كتاب جدد يبدأون مع كتابة الرواية مباشرة، وهو أمر يتماشى مع تحولاتنا وتغيرات حياتنا ورغبتنا في الخوض في القضايا الاشكالية. بالنسبة لي، كل هذا التنظير ليس ذا أهمية كبيرة . المهم هو النص في حد ذاته، سواء أكان قصة أو رواية كيف يمكن أن يُقدم نفسه.
فالكاتب هو الأسلوب، «فالطريقة التي تتجسّد بها القصة، هي التي تجعلها أصيلة أو مبتذلة، عميقة أو سطحية، مُعقدة أو بسيطة، وهي التي تمنح الشخصيات الكثافة، والغموض، والاحتمالية، أو تحوّلها إلى كاريكاتيرات بلا حياة، أو دُمى يحرّكها مدبّر العرائس»، كما يقول يوسا في رسائله إلى الروائي الشاب.
* هل أثر العمل الصحافي في النص الروائي والأدبي عندك؟
– الصحافة أوقعتني في فخ أرهقني لفترة من الزمن، خصوصا في البدايات، عندما كنت أكتب النص الذي يشتغل على اللغة، ويقوم بأكمله على إمكانيات أزعم الآن أنها غير حقيقية، بمعنى التضخم والانتفاخ باللغة وعلائقها على حساب الفكرة والشخوص والحدث، بينما الصحافة كانت تتطلب مني المباشرة، والموضوعية في الطرح لذا وصلت إلى مرحلة كتبت فيها نصوصا مباشرة إلى حد قاتل.. أنا بالعادة لا أضع قارئ النص في ذهني، وأنا اكتب النص الذي يخصني بينما الصحافة تتطلب مني أن أتذكر القارئ، وكيف التفت انتباهه بالمادة واضمن أنه سيقرأني إلى آخر سطر.. إلا أن الصحافة لا تنشطر عن بقية الحلم .
*كيف تقيمين نفسك ككاتبة وسط نظيراتك العمانيات؟ وهل ترين أن حضورك بأعمالك القصصية والروائية يضيف لكي بصمتك الخاصة؟
– ليس من السهل لأحدنا أن يضع نفسه في آلة «التقييم» الضخمة هذه. إنّ مجرد التفكير بذلك يسحبُ من تحت أقدامنا الوقت الذي ينبغي أن نفكر فيه بالكتابة وحسب، فالكتابة كائن أناني، لكننا نقبل به برضا ونقربه منّا بمحبة. من جهة أخرى، أحاولُ دائما أن أبقي «اللا تنافسية» قائمة بيني وبين المحيط العام. يحصل عندما اقرأ عملا روائيا مدهشا –غالبا ما يكون مترجما من الأدب العالمي- يحدثُ أن أقول: «اللعنة.. ما حاجة العالم لكتابات رديئة ككتاباتنا!»، لكن أيّا كان ما نكتب، فنحن لا ندعي أننا نقدمُ شيئا مُهما للعالم قدر أننا نحاول أن نتخفف من الكائنات التي تغمرنا بحكاياتها اللامتناهية.
* هل لا تزال الكاتبة العمانية تحس بقيود وتواجه خطوطا حمراء تمنعها من ممارسة حريتها في الكتابة والبوح بجرأة؟
« الحرية والحقيقة عاشقتان متطلبتان، ولهذا السبب قليل هم عشاقهما»، هكذا يقول آلبير كامي في نص نادر نشر في مجلة نزوى الثقافية.
*ما علاقتك بالجوائز ؟ وكيف تقيمين الجوائز في عالمنا العربي؟
– كان الفوز محطة ضرورية لكي أقف قليلا، وأراجع نفسي في كل ما كتبت، ولكي أفكر مليا بالمسافة التي قطعتها، وماذا ينبغي الآن أن أفعل، وكيف أقود خطواتي إلى الطريق التي أراها صالحة وخصبة للكتابة. والجوائز هامّة للكاتب والعمل الأدبي حيث تُعطيه زخما وحضورا، وهذا بالتأكيد لا ينفي الحروب الخفية والحسابات الكثيرة خلف كواليس الجوائز، وبعضها ربما لا علاقة له من قريب أو بعيد بالنزاهة، يبقى أنّ أفضل ما قد تُقدمه الجوائز للكاتب إلى جوار المبالغ المالية، هو التسويق الجيد ولفت أنظار النقاد والقراء إلى الكتاب خصوصا للكاتب العُماني الذي فاته حظ كثير في هذا.
*ما مشروعك المقبل؟
-كما قالت ماغريت دوراس : «عندما ننتهي من كتابة كتاب لا يُمكننا الكلام عن نوع اليأس أو مقدار السعادة المُتعلقين بأي اكتشاف أو فشل يعترينا». ولذا لا أفكر الآن بالتورط بالكتابة قدر باستمتاعي بإكمال مشاريع قراءة مؤجلة. وكما قال ميلان كونديرا أيضا : «ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، وأن يقول ما لم يقولوه».

Print Friendly