حمم الثورات تدكُّ أسوار نظام طهران

0 216

أحمد عبد العزيز الجارالله

كشفت الأحداثُ التي شهدتها بعضُ الدُّول العربية والإسلامية في العامين الماضيين عن أن أجهزة الاستخبارات لم تعد تلك العصا الغليظة التي تقمع بها الأنظمة الاستبدادية شعوبها، ولا الاختباء خلف السلطة الدينية على شاكلة ما هو سائد في إيران حاليا، يمكن أن يجعل الشعوب تركن إلى الشعارات، فهذه لا تطعم خبزاً، أو تؤمّن دواءً لمريض، لذلك باتت القوة الحقيقية هي المجتمعات المتخلية عن الخوف في مواجهة قوة عارية مستبدة لا تعرف كيف تستر فسادها ونهبها ثروات الشعوب، والسيطرة عليها من خلال مسرحيات الانتخابات الديمقراطية كما هي الحال، مثلاً، في إيران أو لبنان أو العراق.
ما يجري اليوم في بعض الدول العربية وإيران هو هدم لأسوار الخوف في ما يمكن اعتباره استجابة لقول الشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي في ثلاثينات القرن الماضي:
“إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر”
فها هو القدر يستجيب للعراقيين، كما استجاب من قبلهم للسودانيين والجزائريين، ولا شك أنه سيستجيب للبنانيين الذين تخطوا في انتفاضتهم كل حواجز التخويف، أكان من حرب أهلية لوح بها أمراء الزعران والبلطجية والميليشيات السلطوية، أو من انهيار مالي واقتصادي، فيما الطغمة الحاكمة مستمرة في نهب البلاد، برعاية مباشرة من قوة خارجة على الدستور والقانون وعميلة للخارج تسمى زوراً وبهتاناً “حزب الله”.
صحيح، شكلاً، أن ما يجري ثورة شعوب على فاسدين، لكنها في المضمون ثورة على احتلال مقنع، دخل إلينا في مرحلة الانقسام، حين استقال العرب من دورهم عندما وقعوا في فخ الخلافات الجانبية وأدخلوا دب العدو إلى عقر دارهم من خلال تشققات في ضمائر بعض الموتورين وضعاف النفوس، وحين أرادوا حماية أنفسهم كان العدو تغلغل بينهم بمسميات عدة، بدأت بـ”الإخوان” المتأسلمين، ولم تنته عند “داعش” قرون الظلمات، و”أحزاب الله” العميلة بأطيافها الملونة.
كل هذا كان بسبب عدم اتحاد العرب والانتفاض كأمة واحدة على عدويهما، نظام ملالي إيران وإسرائيل، حتى أمعن حكام بعض الدول التي تصنِّف نفسها ديمقراطية في مراكمة الثروات بدلاً من التفرغ لتنمية بلادهم، ما أدى إلى تفجر براكين الغضب الشعبي، بدءا من تونس قبل نحو عشر سنوات، وصولا اليوم إلى لبنان والعراق، فيما دكت قبضات الثورة المضرجة بالدماء أبواب نظام طهران، وبدأت الحمم تتساقط داخل أسواره.
في النصف الأول من القرن العشرين ثارت الشعوب على مشروع سايكس- بيكو، وعملاء الاستعمار الذين عُيّنوا في ليل للإبقاء عليها تحت ربقة الاحتلال والاستتباع، وكانت قصيدة أبوالقاسم الشابي معبرة خير تعبير عن حال الأمة آنذاك حين قال:
“إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ
فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي
وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر”
اليوم يتكرر المشهد، ففي إيران ولبنان ثار الناس على مخطط الولي الفقيه الفارسي، الساعي إلى إحياء امبراطورية درسها الزمن، كي تكون الرديف والظهير لإسرائيل في المنطقة، فيعود العرب بين فكي كماشة صهيونية- فارسية، تقبض عليها الإدارة الأميركية.
نعم، هو زمن انكسار القيد وبزوغ الفجر الجديد لينجلي ليل الظلم، ولهذا فإن القدر اليوم يستجيب لهذه الشعوب التي ستكمل مسيرتها حتى تصل إلى هدفها، وهو دحر الاحتلال الإيراني، المباشر والمقنع، وعندها ستتجلّى إرادةُ الحياة.

You might also like