حنان رحيمي: أكتب من شوارع القهرلأواصل الحياة…والثقافة تتراجع قاصة وشاعرة وصحافية ترى أن مهمتها وضع الإصبع على الجرح

0

مواقع التواصل الاجتماعي ساعدت في انتشار الكتب والتعريف بالأدباء لكنها ساهمت بانحدار الثقافة

القاهرة – سماح الجمال:

كاتبة، شاعرة، صحافية، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين، رئيسة ومؤسسة منتدى بيت النجوم الثقافي، مسؤولة التنسيق الدولي في هيئة الحوار الثقافي الدائم. صدر لها ديوان “جني المطر”، رواية “حياة في منتصف الموت”، المجموعة القصصية “بائعة الأعشاب”، نالت جائزة القصة في جمهورية مصر العربية، وجائزة تقديرية من مهرجان العنقاء الذهبية الدولي.
حول مجموعتها القصصية “الانتحاري، والفول”، التي صدرت حديثاً، التقت “السياسة”، الأديبة اللبنانية “حنان رحيمي”، في هذا الحوار.
كيف كانت بدايتك الأدبية؟
بدأت منذ الطفولة، كنت بعمر ثماني سنوات حين كتبت أول قصة عن رفيقي اليتيم في المدرسة الذي كان يُطرد من الصف، يُترك في ملعب المدرسة بالبرد والزمهرير، لأنه لا يمتلك المال لدفع قسط المدرسة، هكذا رافقني القلم ووجع الآخرين، حتى هذه اللحظة.
هل هذا الوجع هو ما ساعدك في النجاح؟
أنا أكتب من صميم الواقع، من شوارع القهر والذل والظلم، إلى سلطة المال والطبقية. كتبت من الناس إلى الناس، بأسلوب جرئ، مبسط، مما جعل كتاباتي تدخل عقل وقلب القارئ على امتداد الوطن العربي، هذا القارئ الذي وجد نفسه ومعاناته في مكان ما من قصصي، فمعاناتنا في أوطاننا واحدة.
متى بدأت شهرتك؟
انتشاري عربياً بدأ من أم الدنيا “مصر الحبيبة”، حين فزت بمهرجان “همسة” الدولي للآداب والفنون بجائزة القصة القصيرة عن قصة “بائعة الأعشاب”، التي ألقيت الضوء من خلالها على قضية كبار السن والعجزة، كان للأعلام المصري مشكورا الكثير من الاهتمام بهذا الحدث.
لهذا أصدرت مجموعتك القصصية “الانتحاري والفول” من القاهرة؟
لفتني من خلال مواقع التواصل الاجتماعي اهتمام دار النشر التي أصدرت من خلالها هذه المجموعة، بالكتب الصادرة عنها، الاضاءة على الكتاب، العمل على نشره، هذا ما لم أجده ببعض دور النشر التي اصبح كل هدفها الربح المادي، يطبعون الكتاب ويتركونه مركونا في المستودعات، وهو ما شجعني على اصدارها من القاهرة.
لماذا اصدرت الطبعة الثانية من بيروت؟
بعد نجاح المجموعة في مصر واقبال القراء عليها، أصدرت طبعة ثانية للمجموعة في بيروت.

فساد الإنسان
لماذا ركزت في قصص المجموعة على ضعف وفساد الانسان العربي المعاصر؟
المجموعة مؤلفة من تسع قصص، كل قصة تمثل جانباً مهماً من جوانب حياتنا المعاصرة، تطرح قضية ملحة على الأصعدة الاجتماعية، السياسية، الانسانية، وجدت نفسي أمام أبواب وطن مكسور، مجتمع منهار حُكم عليه أن يسير إلى الخلف، يُركن بالتخلف، انسان يعيش موتاً يومياً وسط الحروب، القهر، المعاناة، واقع فاق بمجرياته وأحداثه الخيال، في زمن مزيف تحول إلى مقبرة للضمائر، أطلقت صراخ قلمي، كان صدي صراخه ولادة قصص المجموعة.
هل يعاني الانسان العربي من الغربة في أوطانه؟
الانسان العربي يعاني من الغربة منذ أزمنة، سعياً خلف لقمة العيش، يعاني نفسيا، جسديا، اجتماعيا، يعاني من الفساد الذي طال الجسم الثقافي، حيث أصبح للثقافة مافيات، وأسواق تباع فيها شهادات التقدير، الدكتوراه، ألقاب مثل “أديب”، “شاعر”، “روائي”، “قاص”، الخ.
تطرقت إلى تصرفات بعض رجال الدين، ما سبب ذلك؟
هؤلاء الذين اتخذوا من الدين ستاراً، ساهموا بتغيير سلوكيات الناس حسب ما تتطلب مصالحهم، اوجدوا أجيالاً تتكلم باسم الله، حجبوا عنهم صورة الله الحقيقية، أنجبوا وينجبون جيوشاً من الأطفال، قالوا لهم، الشمس عدوكم الأزلي، انحروا من يخرج اليها، لذلك تآلفنا مع العتمة، أصبحنا شعوباً تتقن لغة الدمار، ثقافة الموت.
لماذا اخترت عنوان “الانتحاري والفول” لتكون عنوانا للمجموعة؟
تحمل في طياتها قضايا كثيرة متشعبة مرتبطة جميعها في حالة الانتحاري والفول، تاريخه وبيئته، قد يكون العنوان غريباً وصادماً ومثيراً للتساؤلات، لكن المجموعة من الكوميديا السوداء، طبيعي أن يوجد هذا التناقض بالعنوان، السخرية تصعقنا قبل أن تصعقنا الفجيعة وبشاعة الجريمة.

الحوريات
ما مضمون القصة التي حملت المجموعة عنوانها؟
حالة مخلوق يسمونه “الانتحاري”، يفجر نفسه، يقتل ما استطاع من الأبرياء بهدف لقاء الله والحوريات، هذا الانسان ضحية كالذين قتلهم، فلا عتب على مخلوق صنعه قوم متآمرون على العقل الانساني أولاً وعلى العقائد ثانياً.
لماذا تطرقت إلى هذه الشخصية؟
لأنها تجمع جميع العناصر اللازمة كالتصريح بالعيوب الاجتماعية، التنبيه على مواطن الضعف في المجتمع، صرخات بوجه ظواهر سلبية دخيلة على حياتنا، في ظل سلطات لا تعني بتوعية مواطنيها، لا بل تتركهم على ما هم عليه من فقر وجهل، كي يبقي هؤلاء تحت سلطة تدفع بهم أكثر إلى الحضيض، لدعم استمرارية أنظمتهم، فشعوب واعية منفتحة لا تلائم حكامنا.
كيف استقبل الاعلاميون المجموعة؟
للأسف الاعلام في جزء منه واقع تحت وطأة التوجيهات العليا من ادارات المنابر الاعلامية بكل نوافذها الورقية، السمعية، المرئية، مما أحكم سطوة الشللية على تقديم اسماء بعيدا عن جودة الأعمال، أيضاً الانتماء إلى فئة حزبية أو طائفية له حصة كبيرة من الاهتمام والدعم، حتى لو كان هذا الكاتب يفهم بالأدب بقدر ما يفهم أجدادنا بالانترنت.
ماذا عن النقاد؟
يبقي هناك عمالقة للكلمة يبحثون عن كنوز الابداع المخبوءة بين سطور ما يصدر من كتب جديدة، لقاء المحافظة على مستوى الثقافة والأدب، كان هناك عدة قراءات نقدية في مجموعتي القصصية منها، قراءة للدكتورة “ريما نجم” بعنوان “أرجوحة مشاعر، ومرآة زمن”، قراءة للناقد العراقي “كامل حسن الدليمي”، بعنوان “السخرية السوداء” في الانتحاري والفول، قراءة للناقد اليمني الدكتور “علوان الجيلاني” بعنوان “توثيق سردي لاهتراءات وضعنا الانساني”، قراءة للناقد “أنطوان أبو جودة”، قال عنها أنها مشروع بناء دولة، قراءة للكاتبة والناقدة نسرين الرجب، قراءة للناقد الجزائري الدكتور “سعيد بوشنافة”، وغيرهم.

الواقع الثقافي
ما تقييمك للواقع الثقافي الآن على مستوى الوطن العربي بشكل عام ولبنان بشكل خاص؟
الثقافة تراجعت إلى الخلف، كما كل شيء في حياة انسان هذا العصر، الغارق في التبعية، الطبقية، الطائفية، المشهد الثقافي واحد في كل بلادنا العربية، فالفساد واحد، المعاناة واحدة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، أين ثقافتنا وحضارتنا؟، لو كانت موجودة لما وصلنا إلى هذا الدمار النفسي للشعوب، ما مشينا في العتمة إلى الخلف والتخلف، وحدها ثقافة الموت هي الحاكمة، هذا ينطبق على الحالة الثقافية في لبنان.
إلى أي مدي يؤثر الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي على قراءة الكتاب الورقي؟
لا شيء يضاهي متعة الامساك بالكتاب وقراءته، انها تحرك حواسنا الخمس، مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت لا اجتماعية، سرقت الكثير من جمالية ودفئ حياتنا، لكن ايجابياتها أنها ساهمت بانتشار الكتب والتعريف بالأدباء بشكل كبير، بنفس الوقت ساهمت بانحدار الثقافة، بسبب الكم الهائل من المواقع والمنتدىات التي تنشر السيء من الكتابات، اعطاء الجوائز والألقاب لمن لا يستحقون، حيث نري شهادات التقدير تمطر على صفحات الفيسبوك، لتحتضنها عاصفة من الليكات ممن لا يقرأون.
ما رأيك في حفلات التوقيع؟
ضرورية للاعلان عن اصدارات الكاتب الجديدة، فرصة للقراء للتعرف شخصياً على الكاتب الذي يقرأون له ومشاركته فرحته، مررت بأكثر من عشر حفلات تواقيع لكتبي، في كل مرة كان الاقبال كبيراً، خاصة من أشخاص افتراضيين على الفيسبوك، آخرين لا أعرفهم، لكنهم يعرفون كتاباتي.
كيف كانت ردود الافعال؟
كانت تأتيني في اليوم التالي، من خلال عبارة محببة جداً لدي، سمعتها من آلاف القراء تقول، لم نستطع ترك الكتاب حتى أكملناه للنهاية، أيضاً عبارة، وجدنا أنفسنا في مكان ما بين سطورك.
ما اللقب الأقرب اليك، اعلامية، ناشطة حقوقية، شاعرة، روائية؟
العمل الأدبي وحدة متكاملة في سياقها الفني، فالشعر التقاط وهج للحظة معينة تفيض بها مشاعرنا وانفعالاتنا، فتولد القصيدة، الرواية بحر أغوص فيه بمتاهات الحياة أصوّر ما خفي عن عيون الآخرين، خاصة عن عيون المسؤولين الذين يفترض أن يشاهدوا ما يدور خلف الجدران، هنا يكمن عملي كناشطة حقوقية واعلامية، لذا أجد نفسي في كل هذه العوالم لأنها جزء من كياني.
وظيفة الروائي
هل وظيفة الروائي لمس الجرح أم معالجته؟
مهمة الكاتب وضع الأصبع على الجرح، الدلالة على مواطن الضعف في المجتمع، اظهار ما خفي من قصص الحياة، ليست مهمته وضع الحلول، عليه عرض الواقع بجرأة، فالصمت والاكتفاء بمراقبة ما يجري، يجعلنا شركاء في الظلم والظلام، لذلك أترك قصصي مفتوحة ودون نهاية.
ألهذا تتميز كتاباتك بطعم مر؟
أكتب الحزن وأضئ على الوجع، ربما يكون صرخة استغاثة للفرح وطريقاً اليه.
هل تفضلين الكتابة عكس الاتجاه؟
أكتب عن مشاعر أخرى، حب آخر عما هو شائع في الأدب العربي بين الرجل والمرأة مثلا، لهذا الزمن اتجاهات أخرى فرضها علينا واقع الحياة القاسية، مما يجعل الكتابة عن الحب حالة خاصة ورفاهية لا تعني الا كاتبها، في الماضي كان الحب موجوداً، كان الانسان صافي الذهن، يعيش حياة طبيعية خالية من الهموم، كان يتمتع، يغذي روحه بقراءة قصص الحب ومعاناة العشاق، الآن أصبح بحاجة لمن يكتب عنه، عن معاناته، ليشعر أن هناك من يشاركه مشاعره غضبه، حزنه، فرحه.
كيف ترين الحب من خلال كتاباتك؟
زمن غير قابل للحب
يا لشهيتك أيها الكوكب
المسكون بالأشرار،
تلتهم نفسك
تهلل للدم، للنار
يُثلج قلبك الظلم
يغويك الدمار،
في بيوتك تناحر أزمنة
واندثار،
فتبادل النهار والليل
الأدوار،
غادرتك الشمس
مثقلة بأنفاس سوداء
وغبار،
وراحت تهمس للأرض
أواه، لقد ضاع المدار.
ماذا تقولين للانسان العربي؟
نحن بحاجة أن نستعيد وعينا من خلال الورق، ما تخبؤه الكتب بين صفحاتها، لأننا في هذا يمكن أن نكتسب وعياً يليق بنا بعيداً عن موروث ثقافي لم يجلب لنا غير الجمود الفكري، سبب ذلك أننا تركنا لأسماعنا تستهلك كسبنا الثقافي، السماع غالباً يسرق العقل، لا يغنيه بما يحتاج.
ما جديدك؟
الكتابة عندي كالماء والهواء، لا أعيش من دونها، هي الاستمرارية لحياتي، أعمل الآن على مجموعة قصصية من الواقع ستكون كلها مأخوذة من قلب الشارع.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

17 − خمسة عشر =