حوار مع صديق ثري

0

د. عبدالله راشد السنيدي

التقيت به بعد انقطاع وهو الذي يملك ثروة كبيرة وعلامات الضيق والكآبة تبدو عليه فدار بيني وبينه حوار بدأه هو بالسؤال الآتي:-
ما رأيك يا أخي في هذه الحياة؟
فقلت له ان هذه الحياة موقتة وقصيرة، وليست محلاً للخلود والديمومة والسعادة المنشودة والحياة الحقيقية هي التي حدثنا عنها كتاب الله الكريم.
ثم سألني هل يعني ذلك أن نعتكف في المساجد، وأن نتوقف عن العمل والا نجمع المال ونكوَّن الثروات؟
فأجبته بالعكس ديننا يحض على العمل وعمارة الكون وعلى اقتناء الأموال، لكن ليس على حساب المبادئ أو السبب الحقيقي لوجودنا” الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً”
(الآية 46 سورة الكهف)، فالعبادة في ديننا الحنيف ليست الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج فقط ،بل تشمل كل أعمال الخير، قولا وعملا، ومن ذلك مثلاً: إفشاء السلام يعتبر عبادة قولية، قد تؤدي إلى دخول الجنة، وإزالة الأذى عن الطريق يعتبر عبادة عملية وهكذا.
ثم سألني ماذا تقصد بالمبادئ التي يتم على أساسها جمع المال؟
أجبته: ان اكتساب المال يجب أن يتم بطرق مشروعة وهذه الطرق المشروعة هي التي تتماشى مع أحكام الشريعة والأنظمة الحكومية.
ثم سألني: ما رأيك في الطريقة المثلى لإنفاق المال؟
اجبته: أما عن إنفاق المال فإن الإنسان الذي أنعم الله عليه بالمال الوفير ينبغي أن ينهج القاعدة التي حددها العزيز الحكيم في قوله:” وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا” (الآية 29 سورة الإسراء )، فلا يكون بخيلاً أو شحيحاً في الإنفاق على نفسه وأسرته، وأن يكون للمحتاجين من أسرته ومجتمعه مما أفاء الله عليه نصيب مقنع لهم، وأن يكون له مساهمات فاعلة في أعمال الخير، وفي الوقت نفسه لا يكون مبذراً لماله من دون أسباب موضوعية، بأن يصرف أمواله في أمور محرمة أو أمور غير جدية.
فلما رأيت صديقي قد توقف عن الأسئلة بادرته بالسؤال التالي :
لكن ما هو سبب كآبتك يا أخي مع أنك تملك هذه الأموال وكأنك متضايق من شيء ما؟
أجاب دعني أصارحك لا سيما بعد حديثك الذي لامس معاناتي، ووضع الأصبع على جرحي، إن لدي المال الكثير كما تعرف، لكن هذا المال أصبح سبباً لشقائي وليس لسعادتي فأنا أعطي هذا المال كل اهتمامي على حساب نفسي وصحتي وأسرتي بل مع الأسف على حساب التزاماتي الدينية، فأنا منذ نحو أسبوع أعيش في ضيق وتعاسة بسبب تأخر وصول بضاعة لي من الخارج مع أنه يوجد عندي أضعاف أضعاف قيمتها ، بل الأمر الأهم في ذلك أنني مقصر في حق الله في هذا المال، فأنا لست منتظماً في إخراج الزكاة، وإذا أخرجتها أتحسر وأتألم بأن جزءاً من مالي قد فُقِد مني، كما أنني مقصر في حق نفسي وأسرتي بدليل سيارتي القديمة ومنزلي المتواضع، كما أنني مقصر في حق أقاربي وأصدقائي وبخاصة المحتاجين منهم، فأنا أعتذر فوراً عن أي طلب سُلفَة، رغم وجوب مساعدتهم من تلقاء نفسي، وكل ذلك يا أخي بسبب حبي الشديد لجمع المال وعدم انفاقه وصدق الله العظيم “وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا”(الفجر الآية 20 ) فبما تنصحني؟
قبل أن اجيب سألته عن علاقته بالله وبالناس؟
أجاب انه مقصر في حق الله، رغم أنه محافظ على الصلاة، لكنه ليس منتظماً في أدائها جماعة، فهو أحياناً يؤديها منفرداً وأحياناً يؤديها خارج وقتها، مع أن الصلاة هي الركن الأساسي والأهم في الإسلام، أما بالنسبة لعلاقته بالناس فقال: إنها محدودة جداً لأن الناس في الغالب يعتمدون في بناء الصداقات على المصالح، وفي ضوء ما يعنيه المثل الشعبي الصديق وقت الضيق، وهو شخصياً لا يطبق هذا المثل على الإطلاق.
لذلك فإن الناس ينفرون منه ولا يرغبون في صداقته، وأما مساعدة الصديق، فيمكن أن يقال له إن المال في الأساس هو لله عز وجل، والإنسان مُسٌتخلَف فيه، والمستخلف في شيء معين يجب أن يكون عمله وتصرفاته في حدود ما يحقق رضاء المُستَخٌلِف.
يجب أن يكون جمعه للمال وسيلة لتحقيق الأهداف سالفة الذكر، وليس غاية، لا يتأخر في نجدة من يطلب منه المساعدة من أقاربه وأصدقائه، وبخاصة بعد التأكد من مصداقية المطالبة، وألا يتعامل مع الناس البسطاء أو الفقراء على أنه إنسان ثري، بل عليه أن يتحلى بالتواضع وحسن الخلق، فأغلب أتباع الأنبياء الذين سيرافقونهم في الفردوس الأعلى من الجنة هم من الطبقة الفقيرة.
كاتب سعودي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

20 − إحدى عشر =