حين ضيّع الفلسطينيون بالانقسام بلادهم

أحمد عبد العزيز الجارالله

في بداية عهد كل رئيس اميركي، أو ادارة فرنسية او بريطانية، يكون هناك عنوان عريض اسمه “السلام في الشرق الاوسط” وفيما تتعدد المبادرات الواردة من خلف البحار، تبقى الحال الفلسطينية على ما هي عليه.
اليوم تجري ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب تجديدا للشعار مع ايفادها مبعوثين لاطلاق المحادثات الفلسطينية – الاسرائيلية المجمدة منذ العام 2014، وبينما الجميع يعرف ان هذه المبادرات ليست مجانية ولن تكون على حساب اسرائيل المستمرة في قضم اراضي الضفة الغربية بالمستعمرات، مستندة في ذلك الى عدم وحدة الموقف الفلسطيني، فإن التشرذم الحاصل بين القوى السياسية جعل اقامة الدولة المستقلة مسألة ثانوية عند 18 فصيلا حين باتت اولوياتها الدفاع عن مصالح دول عربية وأجنبية ارتبطت فيها، إذ يكاد لكل دولة في الجامعة العربية فصيلها المحتكر القضية له، مسقطا الشرعية عن البقية، حتى انه يكاد يلغي منظمة التحرير والسلطة الوطنية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
هذا الانقسام يغذيه الافتراق العربي، ففي حين يذهب الاسرائيليون الى طاولة المفاوضات بموقف موحد، تقابلهم 18 وجهة نظر فلسطينية، ومثلها عربية، ولكل منها مطالبها البعيدة عن الهدف الحقيقي.
منذ فجر التاريخ احتلت فلسطين نحو 14 مرة، وفي كل مرة كان يأتي الحل من الداخل، واخرها في العام 1291 عندما اسقطت مقاومة ابناء الارض بمساعدة بعض القوات العربية الاسلامية المملكة الصليبية بعد قرنين من الاحتلال، فإذا كان العرب اعتادوا رؤية هذه المنطقة من بلادهم محتلة، ذلك لا يعني ان يتحول الشعب الفلسطيني وبأيدي بعض ابنائه سلعة تباع في مزادات السياسة العربية.
لا بد للعرب من الاعتراف بأن الاقدر على حل هذه القضية اصحابها، لذلك من حق هذا الشعب تقرير مصيره بمفرده من دون تدخلات من هذا أو ذاك، فمنذ اربعينات القرن الماضي ضيع الفلسطينيون فرصا عدة، أكان برفضهم قرار التقسيم الذي ادى بعد 20 عاما الى ضياع كل بلادهم، وبعدها حين انساقوا خلف عبدالناصر في رفضه مشروع الرئيس الاميركي روزفلت وقبله مشروع جونستون في خمسينات القرن الماضي، وكذلك فرصة السلام والحكم الذاتي في عهد الرئيس أنور السادات، ما أدى في نهاية المطاف الى قبولهم في تسعينات القرن الماضي بأقل مما كان مطروحا في “كامب ديفيد”، حتى أن ياسر عرفات لم يستطع إنشاء منطقة آمنة حول مقره في رام الله حيث امضى آخر ايامه في إقامة جبرية.
اليوم يتكرر مشهد الانقسام بشكل أكثر تهديدا للوجود الفلسطيني، ففي حين تسير اسرائيل بتهويد القدس وتوسيع مستعمراتها في الضفة الغربية، نجد حركة “حماس” ومعها “الجهاد الاسلامي” تتخذان من قطاع غزة رهينة تنفيذا للسياسات الايرانية والقطرية في المنطقة، بعدما تخلتا عن مناصرة السلطة الوطنية الفلسطينية المعترف بها دوليا.
اذا كانت هناك فعلا إرادة فلسطينية لفرض حل الدولتين على المجتمع الدولي، لا بد للفصائل كافة من التخلي عن مشاريع الدول وأن تحل نفسها وتنضوي تحت لواء السلطة الوطنية حتى يكون هناك ند فلسطيني للند الاسرائيلي حول طاولة المفاوضات، وان تشكل مبادرة ترامب بداية حقيقية لمشروع الحل، وإلا على الفلسطينيين الانتظار 70 سنة أخرى كي يحصلوا، ربما، على حق الإقامة في بلادهم، بعد أن يكون الاسرائيلي قد ضم ما تبقى من الأرض.