خادم الحرمين… إننا نهدي إليك عيوبك

«كلمة أكررها دائماً، رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي، إذا رأيتم أو رأى إخواني المواطنون وهم يسمعونني الآن أي شيء فيه مصلحة لدينكم قبل كل شيء ولبلادكم بلاد الحرمين الشريفين الذين نحن كلنا خدام لها، فأهلاً وسهلاً بكم، وأكرر أبوابنا مفتوحة، وهواتفنا مفتوحة، وآذاننا صاغية لكل مواطن».
على هذا الاساس اعاد الملك سلمان بن عبدالعزيز التأكيد على سياسته في الحكم منذ يناير العام 2015 عاملا فيها على نقل المملكة الى مصاف جديد يماشي العصر ويخدم رفعتها وتقدمها، ومما لا شك فيه ان هذه القاعدة في بناء العلاقة بين الحاكم والمحكوم تؤدي دورا كبيرا في كسر الحواجز بين الطرفين، اذ تزيد من الاطمئنان الشعبي الى مسيرة البلاد، وهو ما يترجم حاليا بالخطوات التاريخية التي تحققت.
ينظر الخليجيون كافة الى المملكة على اساس انها البوصلة، السياسية والاقتصادية وهما مجالان اساسيان لتطور الدول وتقدمها، ما يجعل المواطن الخليجي يشعر انه كويتي سعودي اماراتي بحريني عماني قطري، يمكنه التوجه الى اهل الحكم بكل أريحية في الحديث عن شأن عام، بسبب الترابط العضوي بين كل مكونات «مجلس التعاون» الخليجي الذي قام نظامه الداخلي على اساس السعي الى تتويج التعاون باتحاد تذوب فيه الفروقات الثانوية لتشكيل هوية واحدة تعبر عن الشعور الفطري بالتقارب والمودة بين ابناء الدول الست.
انطلاقا من هذه القناعة، أجد نفسي معنيا بما قاله الملك سلمان «رحم الله من أهدى اليَّ عيوبي»، لان ما يخدم المملكة في سبيل تقدمها وازدهارها يعود بالفائدة على كل الخليجيين، من مضيق هرمز الى شط العرب.
قبل أي أمر اخر لا بد من التأكيد أن سياسة الابواب المفتوحة هي عودة الى تأصيل العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم، كما كانت في بدايات بناء دولنا، وهي التي ساعدت على تحقيق خطوات انمائية كبيرة على المستويات كافة، لكن في العقود الاخيرة وبسبب متطلبات الدولة والمسؤوليات تشكل ما يمكن تسميته سدنة حول الحاكم، يعملون بمبدأ نقل ما يريدون هم ايصاله اليه، وتزيين ذلك بالايجابيات دائما حتى لو كان ذلك غير صحيح، لكن هذا الاجتهاد الشخصي ليس دائما مصيبا، فهؤلاء يسعون الى المحافظة على مصالحهم الشخصية من خلال عدم نقل الواقع الذي يمكن ان يكون نتيجة تقصير منهم، وفي هذا الشأن لا نطلب من اي حاكم ان يكون عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) الذي كان يتفقد احوال رعيته بنفسه، فلكل زمان دولة ورجال وأحوال، وذاك زمان يختلف عن زماننا الذي تغيرت فيه طرق التواصل بين الناس، في ظل وجود وسائل اعلام وتواصل اجتماعي متطورة.
يدرك الجميع في هذا الاقليم ان ثقافة شعوبه قائمة على التواصل المباشر مع الحاكم والمسؤول، وليس بينهم حواجز، وحين استعانت بعض دوله بنماذج مستوردة من الخارج، كالديمقراطية التي اخذ منها المتمصلحون حرية الرأي والقول فقط، ووصل الامر، مثلا، في الكويت الى حرية بذاءة وتعد على كرامات الاخرين من اجل الدفع الى اسقاط هيبة الدولة والحاكم، وتغلغل بعض التيارات السياسية في المؤسسات وتجييرها لمصلحتها، بل محاولة سن القوانين التي تحد من سلطة الحكام والنخبة المعنية بادارة الشأن العام وتضعفها، وهو ما كاد يضيع الكويت، كما قال صاحب السمو الامير الذي انقذها عبر جملة مراسيم حازمة اهمها مرسوم الصوت الواحد، او كما هي الحال في البحرين حيث تسترت جماعات عميلة لايران بالديمقراطية وحاولت اسقاط الحكم ودفع البلاد الى فم الوحش التوسعي الفارسي.
أعود الى التذكير ان ثقافة هذه الشعوب التي لو طبقت كما تربت عليها، عبر الشورى واللقاء المباشر بين الحاكم والمحكوم لتحقق العدل الذي قامت عليه هذه الدول، وهو ما كان عليه المغفور له الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الذي فتح ابوابه لرعيته، لهذا فان الجميع، أكان في السعودية او بقية دول المنظومة الخليجية، يأملون في زيادة تشريع ابوابكم امامهم من اجل نقل ما لديهم اليكم يا خادم الحرمين الشريفين من دون الاضافات التي يضيفها السدنة الذين لا نريد ان يبعدوكم عنا.
خادم الحرمين الشريفين، كنتم قريبين من صوت الناس حين ابعدتم من كانوا يحاولون بالعصا فرض تقاليد واعراف لم يأت بها الدين او العقيدة، وكنتم اقرب حين اخذتم على عاتقكم التصدي للغزو الايراني المقنع بالحوثيين والانقلابيين في اليمن، فجاءت»عاصفة الحزم» لتدحر ذلك المشروع، وايضا حين سمعتم صوت نصف المجتمع في منح المرأة حقها بقيادة السيارة، وهو ماكان له الصدى الايجابي في المنطقة والعالم وهنا اذكر رد فعل عضو مجلس الشورى الدكتورة لطيفة الشعلان التي اطلت من خلال شاشة قناة»العربية» الفضائية متحدثة عن الامر السامي ومن شدة تأثرها ذرفت الدموع، في مشهد اثر في الجميع، من المشاهدين والمذيعين.
ان ضخ الدماء الشابة في عروق الدولة يعتبر الفعل الاكثر تلبية لطموحات الناس، لان ذلك يستند الى الحكمة التي تتغلب دائما على تقاليد يسعى اصحابها الى تكبيل المجتمع بها للابقاء على تصدرهم المشهد، وهو ما يؤدي في كثير من الاحيان الى تغيير طبيعة الصورة الحقيقية، ويعيق استمرار تطورهذه الدولة العظيمة وتقدمها التي ترتدي معكم حلة المستقبل الزاهر، ويترجم ذلك بالقرارات المهمة والمشاريع الكبيرة داخلياً وخارجيا بتوسيع مروحة التحالفات والعلاقات الدولية الكبيرة، التي كللت بالزيارة التاريخية الى روسيا الاتحادية اخيرا، وهي اذا كانت اول زيارة لعاهل سعودي الى هذه الدولة العظمى منذ توحيد الممكلة، فانها ايضا حجر الاساس في عالم عربي جديد تعملون على ايصاله الى بر الامان وابعاده عن سلسلة العواصف والزلازل السياسية والامنية التي تضربه منذ ست سنوات.
كل هذا الذي تحقق في فترة قليلة، بقرار مدروس بعناية وسرعة قرارات ما كنا نشهدها من قبل تعني اننا امام سعودية جديدة، محافظة على ثوابتها لكنها في الوقت نفسه تجدد نفسها من خلال رؤية بعيدة وثاقبة الى المستقبل، وهذا لا شك يحتاج الى سماع كل الاصوات، وان تشرع ابوابكم اكثر… وأكثر… وأكثر.
خادم الحرمين الشريفين، نستميحك عذرا ان متاعبك معنا كثيرة، لان المملكة تمثل لنا، كما اسلفنا، البوصلة التي منها تتحدد الاتجاهات، كما انكم المحب لنا ولرعاياك ودولتك وللخليج وشعوبه، وهذا الحب الذي يبادلك اياه الجميع هو الذي يدفعنا الى القول اننا نطمع بان تشرع ابوابكم اكثر… وأكثر… فأكثر ويزداد رنين هواتفكم اكثر.. أكثر… وأكثر كي يكون اللقاء بينكم وبين محبيكم مباشرا من دون حواجز وبأمر منكم.

أحمد الجارالله