قرارات حكومية متسرعة بإغلاق بعض المرافق والمنشآت تفاقم المشكلة

خبراء يدقون ناقوس الخطر: مشاريع السياحة والترفيه في الكويت تحت المقصلة قرارات حكومية متسرعة بإغلاق بعض المرافق والمنشآت تفاقم المشكلة

كتب – بلال بدر:

أثارت قرارات الجهات المعنية بإغلاق بعض المنشآت السياحية والترفيهية سواء كانت عامة أو خاصة تساؤلات كثيرة في الآونة الأخيرة، خصوصا في وقت تسعى فيه الدولة إلى تطوير القطاع السياحي بالكويت ليكون رافدا للدخل بجانب النفط لاستقطاب السائحين الكويتيين والخليجيين بدلا من مليارات الدولارات التي ينفقها هؤلاء على السياحة الخارجية.
ودفعت هذه القرارات إلى خلق حالة من الاستياء في أوساط خبراء ومتخصصين، طالبوا هيئة الاستثمار وشركة المشروعات السياحية بإعادة النظر في اتخاذ هذه القرارات، التي لا تنسجم مع توجهات الدولة التنموية ضمن رؤية 2035 لجهة تعزيز دور القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة وتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب لا طارد للاستثمار.
ولا يجد البعض الآخر تفسيرا أو سببا من هكذا إجراءات ضد مرافق تمثل مُتنفسا للمواطنين والمقيمين، مشددين على ضرورة التأكيد على أن الترفيه يُعد من أساسيات الاستقرار الاجتماعي والنفسي ومن أهم الخدمات العامة الواجب على الدولة الاهتمام بها وحتى لا تكون هذه المشروعات تحت مقصلة القرارات الحكومية المتنوعة.
ودعا الخبراء شركة المشروعات السياحية إلى إيجاد آليات عمل تتواكب مع التطورات الراهنة التي تشهدها صناعة الترفيه والسياحة في دول المنطقة والعالم، حتى لا يتم القضاء على هذه الصناعة الضرورية والمهمة، وهو أمر يتطلب الاستعانة بخبراء متخصصين من أهل القطاع.
وشدد الخبراء على ضرورة تواصل الجهات الرقابية مع تلك المنشآت وليس محاربتهم، إذ ان هناك ضغوطاً تمارس على بعض المستثمرين في القطاع الترفيهي رغم حجم استثماراتهم التي تصل إلى عشرات الملايين في هذا القطاع الذي يعد واحدا من أعلى القطاعات كلفة في أدواته.
ويرى عدد من الخبراء أن الإغلاق المستمر والمفاجئ لهذه المرافق اذا كان بغرض التطوير فإنه يدل أيضا على انعدام الرؤى لانه لا يجب اغلاق المرافق بل تطويرها تدريجيا والاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال، معربين عن مخاوفهم من إهدار مساحات شاسعة من الأراضي تحت مظلة شركة المشروعات السياحية دون تطوير لجذب المواطنين والمقيمين خصوصا وأن الكويت تفتقد إلى البنى التحتية المتطورة في هذا القطاع، ما يدفع أغلب المواطنين إلى البحث عن ملاذ ترفيهي يلبي طموحاتهم وساهم ذلك في انتعاش حركة السفر الى دول الخليج من بينها دبي والبحرين وعُمان بحثا عن الجديد.
ورغم اعتقاد البعض بأن الدولة تقوم بتطبيق إجراءات تعسفية وغير مرضية ومن شأنها زيادة الأسعار عندما تطرح تلك المشاريع في مزايدات جديدة بأسعار مختلفة، ما يدفع المستثمرين الجدد إلى تحميل هذا الارتفاع على الجماهير من رواد هذه المنشآت ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومثال ذلك سوق المباركية بعد رفع الإيجارات واعتراض أصحاب المحلات ما استوجب تدخل الحكومة لحل الخلاف.
فيما يرى البعض الآخر أن زيادة القيمة الإيجارية والرسوم المطلوبة يعتبر أمراً ضرورياً وإجراءات متأخرة كان يجب تطبيقها منذ سنوات، فمن جهة ارتفعت الأسعار العالمية، ومن جهة أخرى لم تتحرك الدولة في موازاة هذه التغيرات برفع الإيجارات والرسوم على أصحاب القسائم والمنشآت عموما ومنها الترفيهية مؤكدين على أنها حقوق للدولة لا يمكن التهاون بها.

العنجري: تفاقم الظاهرة
المدير العام لشركة ليدرز غروب للاستشارات والتطوير والخبير في قطاع السياحة نبيلة العنجري تشير إلى أن إقفال أو إغلاق أو تعطل أو تضرر المرافق الترفيهية أصبح ظاهرة تحرم معظم الأطفال وعائلات المواطنين وغيرهم من المتنفس الرئيسي الذي كانت تشكله تلك المرافق والمنشآت، خاصة لذوي الدخل المحدود في وقت تفوق أسعار منشآت القطاع الخاص والمجمعات التجارية قدرة أغلب الأسر.
وقالت العنجري إنها كانت ألقت الضوء على هذه الإشكالية في تقرير صادر عن شركتها استهلته بتساؤلات عن أسباب وحقيقة أوضاع هذا القطاع وكيفية معالجته وإدارته بعد إقفال المنتزهات والمنشآت الترفيهية العامة.
ووسط هذه التساؤلات وتلك الإجراءات، أبدت العنجري استغرابها من إهمال الدولة لبعض المنشآت العامة رغم ما تتميز به من موقع فريد، فضلا عن أنها تعد من المال العام، فلماذا لا يتم استثمار هذه المرافق المهمة، والتي لا تدل أي مؤشرات على تنميتها في المستقبل القريب؟
وأضافت أنه كان يمكن البدء في تطوير المنتزهات والمنشآت وتحديثها تدريجيا كلما اقتضت الحاجة دون إغلاقها وحرمان الرواد منها لفترات طويلة، بل كان يمكن للمدينة الترفيهية “مع مليون متر مربع أي ما يعادل 1كيلومتر مربع” ان تحتل مرتبة متقدمة عالميا بعد ديزني لاند في هونغ كونغ مثلا، لو أنها تطورت وتم توسعتها تدريجيا إلى المساحات المتاحة حولها، بدلا من إقفالها تحت مبررات الترميم والتطوير لأربع سنوات متتالية على الأقل.
وترى ضرورة إعادة النظر في جهة وآليات عمل هذه المرافق الترفيهية التي باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى، كأن تتولى جهة مرجعية عليا مختصة بالسياحة والترفيه الاهتمام بها عوضا عن الهيئة العامة للاستثمار، وتقوم بوضع خطة وطنية ستراتيجية لهذا الغرض، موضحة أن معالجة مشاكل هذا القطاع يكمن في الإيمان بأن الترفيه والتسلية للعائلات والشباب والأطفال، لم يعد من الكماليات بل هو أحد أساسيات الاستقرار الاجتماعي والنفسي وهو إحدى الخدمات العامة الواجب على الدولة الاهتمام بها كباقي الخدمات الأساسية.
وتؤكد على ضرورة أن يتطلب ذلك تنظيما جديدا وشاملا لمختلف المرافق السياحية واستشرافا لحاجات الأجيال الجديدة من هذه الخدمات الترفيهية العامة والتغيرات السكانية بالأعداد الكبيرة من الأطفال والشباب والمناطق العمرانية الجديدة، وذلك كي يمكن تطويرها مع الوقت وكي يتم تجنب إغلاقها الذي يسيء لكل من الجهة التي تتولاها حاليا والجهات المسؤولة عن الترفيه في الكويت.

العتيقي: البيروقراطية والتعسف
فيما يشير الخبير الاقتصادي طارق العتيقي إلى أن ما حدث يعود إلى البيروقراطية والتعسف مع المستثمرين والقطاع الخاص عموما، لاسيما المشاريع الترفيهية والسياحية والمنتزهات وغيرها من المواقع الخاصة، حيث يترتب على مثل هذه القرارات خسائر بالآلاف بل بالملايين يتحملها المستثمر الكويتي الذي لجأ للاستثمار في قطاع الترفيه والسياحة، وبعد سنوات طويلة من تأسيس مشروعة وعندما بدأ يجني ثمار مرحلة التأسيس يتفاجأ بالاجراءات الحكومية التعسفية المباغتة إما بالإغلاق أو السحب.
وطالب الدولة بضرورة دعم القطاع الخاص والمستثمرين، في هذا القطاع تحديدا لما له من ركيزة أساسية تنهض بها الدولة تنمويا، خصوصا في ضوء رؤية 2035 التي تضمن مشاريع سياحية تنموية منها جزيرة الحريرة على سبيل المثال، لافتا إلى ان هذه المشاريع تساهم في فتح الطريق أمام الوظائف والحد من البطالة، مطالبا بإعادة النظر في عقود الـ BOT وخاصة المشاريع الترفيهية والأندية والمنتزهات لما لها من اهمية كبرى في جذب الشباب واقبالهم على الانخراط في العمل الحر، كون هذه المشاريع تخدم تنمية القطاع السياحي.

خصخصة المشروعات
وقال العتيقي إن القطاع السياحي في الكويت يتطلب مزيدا من الثقة من القياديين والقائمين على هذا القطاع، لاسيما ان تفعيل الخصخصة بما فيها شركة المشروعات السياحية سوف ينأى عن المتاجرة بأراضي الدولة في استغلالها وإعادة طرحها على المستثمرين بأسعار تجعلها في صورة التاجر الكبير، منوها إلى أن هناك خللا كبيرا في عقود أملاك الدولة ومن المفترض ان تعاد صياغة القانون بما يعيد الثقة للمستثمرين ويحقق النمو والتطلع لاستثمارات القطاع السياحي والترفيهي.
ويضيف: “لا يمكن التعسف مع العقود التي تم الاتفاق عليها لكن المرونة في الإجراءات وعدم التعسف يدعم بيئة العمل ويعكس سهولتها لذا يجب على القائمين على هذه القرارات أن يضعوا نصب أعينهم المجتمع الذي قد يتضرر نتيجة إصدار أي قرارات غير مدروسة تقف حائلا أمام تنمية المشاريع المماثلة أو التي تطرح في مناطق جديدة.

الشداد: جذب الاستثمارات الأجنبية
من جهته يؤكد نائب رئيس اتحاد مقيمي العقارات عبد العزيز الشداد أن القرارات التي تتخذ تجاه المشاريع الحيوية والترفيهية يجب أن تضع بعين الاعتبار التكاليف التي انفقها المستثمرين على هذه المشاريع وقت التعاقد التي ظلت لسنوات طويلة مضت دون أرباح، والأخذ في الاعتبار أهمية إعادة النظر في القوانين والتشريعات المتعلقة بعقود الانتفاع وتعديلها بما يواكب توجهات الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية من جهة وبما يلبي طموحات وجهود وزارة المالية الإصلاحية من جهة أخرى.
وأكد أن الجهود التي تبذلها وزارة المالية لإصلاح مسار الاقتصاد إنما تستوجب دعم ومساندة المستثمرين خصوصا في ظل ما يطرح من برامج تنموية وخطط طويلة الأجل لتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمورد رئيسي، مشيرا إلى أن ما يصدر من قرارات تجاه المنتزهات والمرافق الترفيهية يسيء للتوجهات في استقطاب مستثمرين أجانب إلى الكويت، حيث ان توافر عنصر الثقة هو الأساس في التعاقدات الدولية وهو الأداة في ترغيب رؤوس الأموال لضخ سيولة في أي بلد يتجه إليه، متسائلا عن سبب غلق المنتزهات والمشاريع الترفيهية والملاهي وغيرها ومن وراء هذه القرارات؟ وحتى إن كانت عقودها منتهية فعليا، أحرى بالجهات المعنية تجديدها لعشر سنوات مقبلة برسوم تواكب قيم الأصول الراهنة وفي الوقت ذاته تضع شروطا ملزمة لتطوير المشاريع بصورة تعكس الحضارة والحداثة التي تعاصرها الكويت.
ويشير إلى أن معظم المرافق الترفيهية من منتزهات ومطاعم مقامة على شارع الخليج كلفت مستثمريها مبالغ ضخمة لا تغطي عائداتها مرحلة إنشائها التي استمرت لسنوات وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في اتخاذ مثل هذه الإجراءات.