خدعوكِ يا هند!

حسن علي كرم

ما وجدتُ فساداً او عراقيل في دائرة حكومية أو نقلِ معلومات خاطئة ومضللة، الا وكان وراءها مستشارون مغرضون، فأي اصلاح اذا صدقت الحكومة عمله – وهو ما لا اظنه صادقة به- فأول الاصلاح يبدأ بالتخلص من المستشارين تنابلة السلطان وبلاعي البيزة، ففي واقع الامر هؤلاء ليسوا مستشارين، انما دجالون لا تتوفر في بعضهم، او في الكثير منهم مؤهلات الاستشارة او ذرة من الإخلاص، ولا يصدقون باستشاراتهم للمسؤول، ان كان وزيراً أو وكيل وزارة او اقل رتبة أو أكبر.
أن جل المشكلات الإدارية التي يعانيها الجهاز الحكومي، وجل المعوقات والعراقيل والفساد المعشعش في هذا الجهاز المتخلف، سواء على صعيد انجاز المعاملات اليومية الروتينية أو على صعيد التخطيط لمشاريع تنموية، يتخفى وراءها مستشارون لا يخافون الله، بل لا يتذكرون الله الا عند حشرجة الموت.
السيدة الفاضلة هند الصبيح، وزيرة الشؤون والعمل، وزيرة الجمعيات التعاونية، وزيرة الجمعيات والمبرات الخيرية، وزيرة جمعيات النفع العام والنقابات المهنية، وزيرة المساعدات الاجتماعية، وزيرة دور الرعاية الاجتماعية، وزيرة التخطيط والتنمية سابقاً، وزيرة التخطيط التنمية الاقتصادية حالياً (أكو شي بعد؟) رغم أنني أغبطها على مسؤولياتها الجمة والثقيلة التي ينؤ بحملها أعتى الرجال، لكنها حملتها، وهي راضية، ما يحسدها على قوة أرادتها كل رياضيي الاولمبياد في العالم من حائزي الكؤوس والميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، ولا نشك باخلاص وتفاني هذه السيدة المحاربة التي يحيطها خمسة عشر رجلاْ هم كل عدد الوزراء في الحكومة الكويتية الرشيدة، فيما هي بمثابة الشمعة المضيئة بين هؤلاء الرجال، التي تمثل كل نساء الكويت بكفاءة واقتدار، الا أن صفة الكفاءة والاقتدار ليست كل الرصيد الذي ينبغي لأي مسؤول، مهما علا منصبه او تعاظم نفوذه، ليقرر مصير ومستقبل البلد والمجتمع وفقاً لقناعات او أمزجةٍ شخصية، أو وفقاً لإملاءات مشوشة ومعلومات مضللة من مستشارين أفاقين مغرضين مشكوك بكفاءتهم ومشكوك بأخلاصهم وتالياً مشكوك بنظافة ضمائرهم، لذا كم كان جيداً من السيدة الوزير وهي تتناول مسألة التركيبة السكانية الا تشكك بكفاءة وأخلاص أبناء وطنها في مقابل منح شهادات عظمى لكفاءة وأخلاص الوافدين، وكأنهم قادمون من كواكب أخرى لا ان غالبيتهم قادمون من بلدان متخلفة يتعلمون هنا أصول المهنة، وتالياً كان عليها الا تهول من مسألة التركيبة السكانية التي – حسب كلامها – تحتاج لثلاثين عاما كي تعدل التركيبة (أشدعوه؟)
من المؤكد انها تصورات خاطئة، لانها فترة تطول جيلاً بأكمله، هل وضعت الوزيرة تقديراتها وفقاً لأرقام علمية دقيقة ام مجرد تصورات وانطباعات شخصية، وهل وضعت في الحسبان عدد الكويتيين في الثلاثين السنة المقبلة، وعدد العاملين والعاطلين من العمل، ونسبة الذكور والإناث … الى أخر الحسابات السكانية؟
أذا كان عدد الكويتيين العاطلين من العمل حالياً يطرق باب الخمسين الفا- وفقاً لمعلومات جديدة- في حين عدد كل الكويتيين يقترب من المليون و 300 الف منهم 300 مهندس كويتي عاطل من العمل، ومثلهم حقوقيون ومحاسبون وبقية مخرجات التعليم الجامعي، فما هو المخرج لتشغيل هؤلاء، وكم عددهم بعد ثلاثين سنة مثلاً؟
لعلي أندهش لربط التركيبة السكانية بمهارة اليد العاملة الكويتية، فاليد العاملة الكويتية لم تكن في يوم ما كلةً او كسولة حتى تعتمد على العمالة الوافدة، والغزو الغاشم اثبت للعيان ذلك، لكنها أكاذيب وأضاليل يدسها الخبثاء وذوو النفوس المغرضة.
فاذا كان هناك قلة – ويعدون كسالى او لا يتمتعون بالمهارة المطلوبة فهل من المنطق والعدل ان ينسحب هذا على كل الكويتيين، هل المطلوب ان يحمل الكويتي طابوقاً على ظهره ويصعد السكلة حتى يثبت مهارته للوزيرة؟
ان المهارة ليست بقوة الجسد، أنما بقوة العقل والفطنة والذكاء وحسن التصرف.
كان يجدر بالوزيرة ألا يغيب عن بالها أن الكويتيين أبناء هذا الجيل هم أحفاد البناة الاولين الذين عمروا البلد وأنشأوا دولة في قلب صحراء قاحلة جرداء، لا ماء ولا زرع ولا ثمار، ولم ينتظروا حتى يأتيهم الوافدون كي يبنوا عنهم بلدهم، فالكويت بنيت بسواعد أبنائها يوم لم يكن هناك لا نفط ولا مال، يوم كانوا فقراء لكنهم كانوا أغنياء بنفوسهم وكانوا كادحين لا يشكون التعب ولا يرهقهم العمل الشاق المتواصل.
كان الغواص يذهب الى مغاصاته والحداد الى محله والصفار والنجار والقلاف والتاجر والبناء والحمّار الذي ينقل الجص او الصخر والماء والزراعون يفلحون ويزرعون مزارعهم في القرى وفي المناطق الصالحة للزراعة، هل مسحت الوزيرة كل هذا من ذاكرتها لتكسب محبة وود بعض الوافدين الذين فضلتهم على الكويتيين لإدارة شؤون مكتبها، ام زودها الأفاقون بالمعلومات المضللة حتى يستمروا بالحلب الى اخر قطرة نفط ؟
ان اي مسؤول يطعن بكفاءة الكويتيين، ويعظم من شأن الوافدين مطعون هو بكفاءته وعليه أن يراجع نفسه، متى كان الوافد اخلص من أبناء البلد ام هناك حرب خفية مستمرة ضد الكويتيين، كان يجدر بالوزيرة أن تدعو الى منح فرص أوسع ومسؤوليات اكبر للكويتيين لا ان تكون شوكة تغرز في صدورهم؟
ربما أعطوا الوزيرة معلومات خاطئة وهذا جائز، او ربما لم تقصد الاساءة لابناء وطنها لكنها أساءت، وربما زلة لسان عفوية خرجت منها، الا انها زلة لسان جارحة وأهانة لكل الكويتيين… الوزيرة اخطأت بحق أبناء وطنها وعليها أن تعتذر، وهذا اقل المطلوب.

صحافي كويتي

Print Friendly