المعارضون الأميركيون والإسرائيليون أكثر من المؤيدين

خشية غالبية الدول العربية من اغضاب الرئيس ترامب لن تجعلها تتخذ إجراء فاعلاً إذا نقل سفارة بلاده إلى القدس المعارضون الأميركيون والإسرائيليون أكثر من المؤيدين

* العالم العربي مفكك حاليا وتراجع للقضية الفلسطينية في سلم أولويات الأنظمة العربية
* مسؤولون إسرائيليون : نقل السفارة الأميركية إلى القدس سيجري في 24 مايو المقبل
* تعيين فريدمان سفيرا لدى إسرائيل خطوة متهورة تلحق ضررًا بمصالح الولايات المتحدة في العالم
* اليهود الأميركيون المهتمين بأمن إسرائيل غاضبون من قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب

د.عمر الحسن:
على ما يبدو أن الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب على وشك تنفيذ تعهده بنقل مقر السفارة الاميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وفق تصريحات منسوبة لرئيس بلدية القدس المحتلة نير بركات، ونائبه مئير ترجمان، نشرتها الصحف الإسرائيلية، ونقلت عنهما قولهما إن جهات أميركية اتصلت بهما طلبت العثور على مكان ملائم كمقر للسفارة. مع أن الأمر-كما قال بركات- أن مبنى القنصلية الاميركية بالقدس الذي تم بناؤه في عهد وزير الخارجية الاميركي الأسبق جورج شولتس، في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وجرت توسعته ليضم السفارة والقنصلية والملحقيات الأخرى جميعًا.
اضاف:»ما يعني أن كل ما يجب فعله هو أن يأمر السفير بنقل مكتبه إلى مبنى القنصلية في القدس وتغيير لافتتها».
ونقلا عن مسؤولين إسرائيليين فإن عملية النقل سيتم الإعلان عنها في 24 مايو المقبل، احتفالا بالذكرى الخمسين لضم القدس لإسرائيل. وأكدت، مستشارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب كيلي آن كونوي أن «نقل السفارة يعد أولوية كبرى للرئيس، وهو جاد في ذلك»، وهو ما أكده أيضًا مايكل فلين، الذي اختاره ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي لرئيس الـ»موساد» يوسي كوهين في الأول من الشهر الحالي في واشنطن.
وفي الوقت الذي يقلل فيه البعض من وفاء ترامب بوعده في نقل السفارة، ويشيرون إلى وعد الكثير من المرشحين الرئاسيين الاميركيين بهذا من قبل وتراجعهم بعد الفوز؛ لكن من الواضح أن ترامب لا ينوي التراجع، بل إنه سيلغي جميع الأوامر التنفيذية التي أصدرتها الإدارات الاميركية المتعاقبة، والتي تعيق عملية نقل السفارة، وهو ما حدا بالعديد من الخبراء والمسؤولين الاميركيين، ومن القادة الفلسطينيين أيضًا، لاعتبارها خطوة تقوض عملية السلام، وتفتح بابا جديدا من العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ولهذا سارع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس إلى إيفاد صائب عريقات يوم 11/1/2017 إلى موسكو، وحمله رسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطلب منه المساعدة بإعادة النظر في هذه الخطوة باعتبارها خطوة خطرة وخطا أحمر لا يجوز تجاوزه، وبعث أيضًا رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الاتحاد الاوروبي ولمنظمة التعاون الاسلامي وللاتحاد الافريقي وللأمين العام للجامعة العربية يبين فيها مخاطر نقل السفارة وتداعياته وعواقبه على أمن المنطقة، وهو ما حذر منه أيضًا مؤتمر باريس الذي عقد يوم 15/1/2017 بشأن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بحضور ومشاركة 70 دولة من مختلف القارات.
لإظهار جديته بهذا الموضوع، أعلن ترامب تعيين المحامي ديفيد فريدمان سفيرا للولايات المتحدة لدى إسرائيل، وهي خطوة مقلقة في حال موافقة مجلس الشيوخ عليه، ووصفها البعض بالخطوة المتهورة، والتي تضع سمعة الولايات المتحدة بالمنطقة والعالم في خطر، وتلحق ضررًا بمصالحها. وفريدمان، لمن لا يعرفه من اليهود الأرثوذوكس المعروف بمواقفه المتشددة، وليس لديه أي تجربة ديبلوماسية، يؤيد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، ويترأس أشد المنظمات المؤيدة له، وخصم لدود لحل الدولتين، وتبرع بالمال لدعم هذه القضية، ويتطلع للاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، ولضم أجزاء من الضفة إلى إسرائيل في أي اتفاق للسلام. وهي مواقف تهدد المبادئ الأساسية والرئيسية لمفاوضات حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967. وقد طالب ترامب في 13/1/2017 أعضاء إدارته إبداء آرائهم ووجهات نظرهم، حتى ولو أنها تختلف عن وجهة نظره.
يقال إن وراء هذا التعيين جاريد كوشنر صهر ترامب، وهو يهودي أرثوذكسي أيضًا، تم تعيينه ضمن أحد كبار مستشاري البيت الأبيض، ومن المتوقع أن يؤدي مهمة في الإدارة الاميركية الجديدة.
عموما، بهذا الترشيح تصبح الوعود الانتخابية للرئيس ترامب بنقل السفارة أقرب من أي وقت مضى قابلة للتنفيذ. وردًا على هذه التحركات، دعا مسؤولون فلسطينيون لتنظيم مظاهرات واحتجاجات في المساجد وغيرها اعتراضًا على النقل المقترح، في كل الدول الإسلامية من باكستان إلى طهران ومن لبنان إلى عمان، فالشعب الفلسطيني يرى مستقبله في مدينة القدس التي احتلت منذ العام 1967، وبالتالي يفكر الفلسطينيون في التدابير التي يمكن اتخاذها إذا ما أصبح الانتقال أمرًا واقعيًا، ومنها إعادة النظر في مسألة الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطيينة وإسرائيل، باعتبار أن هذا القرار ينقض كل الاتفاقات الموقعة بين الطرفين والقرارات الدولية، وسيكون نهاية حل الدولتين وسيشعل الأراضي الفلسطينية، ربما على شكل انتفاضة ثالثة.
وفي حقيقة الأمر لا يستطيع فرد، ولو كان رئيسًا ان ينفرد بالقرار، لكن الواقع أن ترامب أحاط نفسه بمن سوف يقودون جميع مؤسسات الدولة، ويسهمون في صنع القرار من بين أشد النشطاء تطرفًا وانفعالية وعنصرية وتعصبًا وميلاً لاستخدام القوة؛ غير أن محمود عباس يتوقع ألا يقدم الرئيس وإدارته على هذه الخطوة لتداعياتها الخطيرة، وباعتبار أن ما يقال خلال الحملة الانتخابية لا يعكس بالضرورة واقع السياسة التي سينتهجها خلال ولايته؛ لأن أبعاد هذه الخطوة أوسع من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وتنتهك مشاعر قرابة ملياري مسلم في مختلف القارات سيكونون في حالة عداء للولايات المتحدة الاميركية.
في المقابل هناك أنباء مؤكدة تقول إن الجمهوريين اعادوا كتابة أهداف الحزب الجمهوري ومبادئه، التي تعد الأكثر تأييدا لإسرائيل من أي وقت مضى، ولم تتحدث عن حل الدولتين، الذي سيؤدي إلى ولادة الدولة الفلسطينية، ولا عن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، الذي مر عليه خمسة عقود تقريبًا.
سياسة واشنطن بطبيعتها منحازة للجانب الإسرائيلي بشكل كامل، «وقد تختلف السياسات فقط على مستوى آليات التطبيق وتحديد الأولويات». وطالما ادعى ترامب في عدد من المناسبات أنه يود أن يكون رئيسًا لإيجاد حل نهائي للصراع الحالي بين إسرائيل وفلسطين، ووصف هذا الحل بأنه «اتفاق أبدي»، ولكن أفعاله وتصريحاته توضح أنه يناصر إسرائيل كليًا.
هنا لابد من الإشارة إلى أن اليهود الاميركيين المهتمين بأمن إسرائيل غاضبون من هذا القرار، ويقولون إنه طيلة 70 عاما والسفارة الاميركية في تل أبيب، مثلها في ذلك مثل سفارات كل الدول التي لها علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، والسبب في ذلك أن الولايات المتحدة كانت تريد التوصل إلى سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ووصف سفير اميركا السابق لدى إسرائيل، المبعوث الخاص للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية في عهد أوباما، مارتن إنديك نقل السفارة إلى القدس بالأمر الكارثي، الذي سيؤدي إلى انفجار الغضب بين الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي. أما نائب رئيس مركز «وودرو ويلسون» الدولي آرون ديفيد ميلر قال: «ليس من الحكمة وغير الضروري نقل السفارة، وأن هذه الخطوة فيما لو تمت، فإنها لن تسهم في التهدئة، بل ستزيدها، وعليه فإنه يمكن لترامب الإعلان عن تعليق عملية نقل السفارة إلى أن يتم الانتهاء من مناقشة الوضع النهائي للقدس بين الإسرائيليين والفلسطينيين».
وأدلى السفير الاميركي لدى إسرائيل في عهد الرئيس الاميركي الأسبق جورج دبليو بوش، دانيال كورتزر بدلو ووصف تعيين فريدمان بـ «الخطأ الكبير».
وقد حذرت مجلة «فورين بولسي» الاميركية من «أن نقل السفارة إلى القدس المحتلة يهدد باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، واصفة تلك الفكرة بأنها مروعة لإسرائيل وفلسطين وللشرق الأوسط». ووصفت انقلاب ترامب على السياسة الخارجية التقليدية للولايات المتحدة بـ»الأكثر إثارة للخوف والقلق».
في السابق قطع مرشحون آخرون الوعد، ومنهما بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، ولم ينفذاه، لكن ترامب أقل ميلاً للتراجع عن هذه الفكرة، وهو ما يعتبر خطأ هائلًا، ليس فقط للفلسطينيين، ولكن لسمعة أميركا وموقفها الديبلوماسي وأيضًا للأمن القومي الإسرائيلي والاميركي.
وفي سياق متصل دعا عدد من الشخصيات البارزة في الشرق الأوسط ترامب الى التخلي عن خططه لنقل السفارة، وحذروا من العنف الذي سينتج عن هذه الخطوة على الأرجح، فحذرت الأردن بأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها سيؤجج الشارع العربي والإسلامي، ويمثل بدوره «هدية للمتطرفين». وكشفت مصادر سياسية مطلعة عن سلسلة لقاءات غير رسمية أجراها الملك عبد الله الثاني، اخيرا مع عدد من قيادات فريق رئيس الولايات المتحدة الاميركية، أثناء زيارته غير الرسمية لأميركا اخيرا، تناولت عددًا من القضايا العربية والدولية، ومن أهمها ملف القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية والتداعيات السلبية المترتبة على الطروحات الاميركية، التي أعلنت نواياها في نقل السفارة إلى القدس المحتلة.
ومن المتوقع عقد لقاء قمة في الأشهر الثلاثة المقبلة، وسيتزامن مع رئاسة الملك عبد الله للقمة العربية التي ستعقد في عمان أواخر مارس المقبل.
وفي السياق ذاته، حذر محمود الهباش القاضي الشرعي الأعلى للسلطة الفلسطينية، وأحد كبار مساعدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس للشؤون الدينية، من أن «هذه الخطوة ستمثل إعلانًا بالحرب على كل المسلمين».
نود أن نسأل الإدارة الاميركية الجديدة إذا نفذت تعهدها بالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة دولة إسرائيل، متجاهلة الحقوق الوطنية الفلسطينية في القدس الشرقية المعترف بها دوليًا، فهل هذا يعني أن القدس في مأمن؟ هل هذا الأمر بطريقة، أو بأخرى سيعزز مطالبة إسرائيل بأحقيتها في القدس الموحدة، وهل سيوقف الفلسطينيين عن المطالبة بالقدس الشرقية، التي ستكون عاصمة دولتهم المستقبلية؟ وبالنهاية ماذا سيحقق هذا القرار؟
كان الكونغرس الاميركي قد أصدر في العام 1995، قانونا اعتبر فيه رسميا أن مدينة القدس المحتلة، عاصمة إسرائيل، ووعد بنقل السفارة الاميركية إلى هناك. لكن القانون تضمن إمكانية تأجيل نقل السفارة لمدة 6 أشهر، وذلك لمرات لم يحدد عددها. صادق عليه الرئيس بيل كلينتون كقانون، الأمر الذي خلق سلطة للنقل، وفي جزء من مشروع القانون، منح الرئيس سلطة التوقيع على تأخير عملية النقل لمدة 6 شهور، فكل من كلينتون وبوش أطلقا وعودًا بنقل السفارة قبل انتخابهما؛ لكنهما استخدما سلطاتهما لتأجيل تطبيقه كل ستة شهور لأسباب أمنية، لا أخلاقية ولا قانونية، وقد وقع الرئيس أوباما التأجيل في أول يناير 2017، وسيكون أمام الرئيس ترامب الفرصة حتى يونيو المقبل، لكي يقرر إذا كان سيوقع على التأخير أو نقل السفارة.
وإمعانًا بتجاهل الحقوق الفلسطينية ومخالفة للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن، هناك مشروع قانون قدم في اليوم التشريعي الأول من العام 2017، من ثلاثة نواب أميركيين من الحزب الجمهوري هم تيد كروز وماركو روبيو ودين هيلر، يطالب بـ»الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل»، وبإزالة الثغرة القانونية، التي سمحت للرؤساء الاميركيين في وقت سابق بتأجيل نقل السفارة، ويتضمن مشروع القانون أيضًا، امتناع الكونغرس عن تحويل جزء من مخصصات وزارة الخارجية حتى تقوم بنقل السفارة إلى القدس.
وبحكم الأغلبية الجمهورية بالكونغرس، وهو الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس المنتخب دونالد ترامب، فمن المتوقع أن يتم تمرير القانون دون عوائق، لكنه في المقابل سيكون خرقًا للقانون الدولي، وخرقًا أيضًا للمبدأ الدولي الذي ينص على عدم ضم دولة أراضي دولة أخرى بالقوة.
وكانت إسرائيل قررت أن القدس الغربية عاصمة لها منذ 5 ديسمبر العام 1949، وتم نقل الكنيست والمكاتب الرئاسية والقضائية والتشريعية والإدارية إليها. وفي عدوانها العام 1967، احتلت إسرائيل القدس الشرقية (الجزء العربي)، وقررت ضمها إليها؛ لكن قرار مجلس الامن رقم 478 الذي صدر في العام 1980، اعتبر أن ذلك خرقًا للقانون الدولي، كما اعتبر قرار الكنيست بضم القدس باطلاً ويجب إلغاؤه، وافقت عليه دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الاميركية، ودعا المجلس الدول التي أقامت سفاراتها في المدينة المقدسة إلى الخروج منها؛ لذا فإن نقل السفارة اليوم سيكون تنكرا للقانون الدولي، وتنكرا لحق الشعب الفلسطيني في وطنه وفي تقرير مصيره.
وفي الإطار ذاته، اتفق خبراء أميركيون آخرون على أن تغيير سياسة واشنطن بشأن مسألة القدس من شأنه أن يعقد كلا من المواقف السياسية والديبلوماسية الاميركية والإسرائيلية في المنطقة، وهو تهديد لعملية السلام.
وحذر جيمس كانينغهام، وهو سفير أميركي سابق لدى إسرائيل بين عامي 2008و2011، من أن خطوة نقل السفارة «لن تنتج مكاسب موضوعية، أو ملموسة لإسرائيل، وستعقد العلاقات الاميركية مع العالم العربي والإسلامي، وأن خطوة كهذه من شأنها أن تقوض احتمالات التوصل إلى حل الدولتين، وبذلك تغذي الجهادية السنية، وتحرك قدرًا كبيرًا من العنف والإرهاب على حد سواء».
وسلط كانينغهام الضوء على المخاطر الناتجة عن تلك الخطوة، مذكرا بزيارة إرييل شارون في العام 2000 إلى المسجد الأقصى، والتي تسببت في إشعال الانتفاضة الثانية (المعروفة بانتفاضة الأقصى)، التي استمرت نحو اربع سنوات ونصف السنة، تسببت في مقتل ثلاثة الاف فلسطيني وألف إسرائيلي.
وحذر من أن هذه الخطوة تضع الإسرائيليين في خطر، وأن المواطنين الاميركيين سيصبحون هدفًا للمتطرفين الإسلاميين في جميع أنحاء المنطقة. وأن القرار سيمثل مخاطر بتقويض السلطة الفلسطينية، ولقيادة الرئيس عباس نفسه، وفتح الطريق لمزيد من الدعم لكثير من الأجنحة المسلحة الفلسطينية، التي ستدعو صراحة إلى استخدام العنف ضد الإسرائيليين. وعلاوة على ذلك، سينظر إلى القرار من زاوية إمكانية تفريط الولايات المتحدة بالدور المركزي، الذي ما فتئت تحتكره لنفسها؛ كراعٍ وحيدٍ لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
غير أن هناك سؤالا أثاره يعقوب جروس، وهو محامٍ وناشط أميركي، في حديثه الى صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية. وهو: من يهتم كون السفارة بالقدس أو تل أبيب؟ وماذا يفترض أن يحدث إذا تم تغيير مسمى القنصلية الاميركية في شارع أجرون [بالقدس] إلى سفارة»؟
وختم قائلا:»إن نقل السفارة إلى القدس يعني خروجا عن سياسة الولايات المتحدة وعرقلة لعملية السلام».
ونقل عن محللين سياسيين أن تغيير السياسة الاميركية من قبل الديمقراطيين والجمهوريين لن يؤدي إلى تعقيدات سياسية وديبلوماسية فقط، بل سيؤدي إلى تفاقم العنف والاضطرابات أيضا، ولهذا ليس من الحكمة نقل السفارة الاميركية إلى القدس.
ويشعر الكثيرون بالقلق من أن نقل السفارة، والرسالة التي سترسل في نهاية الأمر، ستشعل حتمًا موجة جديدة من العنف بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي. وكان وزير الخارجية الاميركي المنتهية ولايته جون كيري، قد حذر من تلك الخطوة بأنها لن تحقق أي منافع للولايات المتحدة، بل ستولد المزيد من العنف المشتعل أصلاً، وتدمر علاقات واشنطن مع حلفاء الشرق الأوسط؛ لذلك فهي خطوة خطرة وتحرك سياسي لا يحمد عقباه.
وحذر دان آرييل نائب رئيس البعثة الديبلوماسية الإسرائيلية في واشنطن بين عامي 2009 و2012 من نقل السفارة، وقال :»إن ذلك يهدد العلاقات الإسرائيلية في المنطقة، ويجعلها أكثر تعقيدًا»؛ لدرجة أنه حذر «من ان ذلك سوف يسبب انفجارا كبيرا في المنطقة، في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وسيؤثر على قضايا السيادة والقانون، وأن ذلك قد يمثل نهاية اتفاقيات السلام مع الأردن ومصر التي تربط بينهما وبين إسرائيل».
خلاصة القول إن وضع القدس، كما نصت الاتفاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لا يمكن حله إلا عبر المفاوضات أو تنفيذ قرارات مجلس الأمن التي تعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة؛ لذا فإن قرار نقل السفارة الاميركية سوف يعرقل احتمالات التوصل إلى حل الدولتين، وقد يؤدي إلى كوارث أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية حقيقية، والسؤال المطروح حاليًا: ما هي السيناريوهات الممكن حدوثها فيما لو أقدم الرئيس الجديد على تنفيذ وعوده بنقل السفارة وغيرها؟
أولاً: أصحاب وعود الحملات الانتخابية السابقة بشأن إسرائيل لم ينفذوها لأسباب رادعة، منها أن العداء العربي لإسرائيل كان متماسكًا، وكان للعالم العربي وزن مختلف عما هو عليه حاليا، تحسب حسابه الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى والصغرى، ولهذا حرص الرؤساء الاميركيون إلى جانب ذلك على حماية مصالح بلادهم في العالمين العربي والإسلامي وألا تكون قراراتهم نموذجًا للإطاحة بقرارات مجلس الأمن.
الوضع الحالي مختلف، فالعالم العربي مفكك، وهناك تراجع للقضية الفلسطينية ضمن أولويات الأنظمة العربية، ولا يوجد ما يردع الرئيس الاميركي الجديد عن قراره، خصوصا أنه ليس معنيًا كثيرًا بمختلف الحسابات والاعتبارات التي أثرت على مواقف الرؤساء السابقين.
ثانيًا: العالم الإسلامي الذي اهتز حين أشعل أحد الصهاينة النيران في المسجد الأقصى في العام 1969، وعقد مؤتمرا استثنائيًا وفورًا للقمة الإسلامية في المغرب، هو غير العالم الإسلامي في العام 2017. فقد تراجع وزنه بسبب غياب قياداته الفاعلة وانفراط عقده وتعدد محاوره وتباين سياساته.
ثالثًا : أغلب الدول العربية لن تلجأ إلى أي إجراء حقيقي فاعل إذا ما تم نقل السفارة؛ لخشيتها من إغضاب أو تحدي الرئيس الجديد، أو على الأقل من غير المتوقع أي رد له قيمة من جانبها.

رئيس مركز الخليج للدراسات الستراتيجية

21-2