إصدارها أثار جدلاً واسعاً

«خطبة الشيخ» رواية مجهولة لطه حسين إصدارها أثار جدلاً واسعاً

طه حسين

القاهرة – شريف حمودة:
حدث كبير بطبيعة الحال أن تصدر رواية لم تكن رائجة أو معروفة من قبل، تحمل اسم عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973)، أحد رواد الفكر والتنوير والسرد القصصي بمصر والعالم العربي، وقد صوحب هذا الحدث بجدل وصخب كبيرين، حتى قبل الاعلان الرسمي عن صدور الرواية، واستمرت الجلبة لما بعد صدور العمل، لأسباب مختلفة، يتعلق بعضها بمضمون العمل، والبعض الآخر يتصل بجوانب اجرائية وادارية.الرواية التي جرت تسميتها بـ»المجهولة» من قبل مكتشفيها ومحققيها وناشريها هي «خطبة الشيخ»، وقد صدرت عن «الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية» بالقاهرة، في ست وتسعين صفحة، في أواخر العام الماضي 2017، بتصدير من الكاتب الصحافي حلمي النمنم وزير الثقافة المصري السابق، وتقديم الناقد الدكتور جابر عصفور.
لماذا أثارت رواية «خطبة الشيخ»، التي تتألف من مجموعة رسائل متبادلة بين شخصيات خمس، هذا الجدل كله قبل وبعد نشرها؟ وهل يصح وصفها بـ»المجهولة»، وهي المنشورة على حلقات صحافية منذ عقود؟ وماذا عن تصنيفها كعمل روائي متكامل رغم نهايتها المفتوحة المبتسرة؟ وأي مدى بلغته قيمتها السردية في مضمار الحركة الروائية المصرية والعربية، وفي مسار تجربة طه حسين الابداعية؟
تفاصيل ادارية
قبل اثارة ومناقشة التساؤلات النقدية والفنية المتعلقة بالرواية، ثمة توقف لابد منه عند عدة تفاصيل ادارية واجرائية صاحبت صدور الرواية، وكان لها دور في اثارة الجدل حول العمل، بل لعل تلك التفاصيل استغرقت واستقطعت من وقت وطاقة النقاد والباحثين الكثير، وعطلت التعاطي النقدي والتحليلي الهادئ المتعمق للعمل الفني إلى حد بعيد.ولعلها مفارقة عجيبة، أن رواية طه حسين التي تتجسد فيها آراؤه وتصوراته الطليعية حول قضايا المجتمع المصري في ذلك الوقت من القرن التاسع عشر من قبيل تعليم وتحرر المرأة ونشأة التعليم الجامعي والمدني وسوء أحوال الأزهر وتدني أخلاق الأزهريين، الخ، هي في الوقت نفسه الرواية التي تعكس الآن، في وقتنا هذا، تهافت مجتمع النخبة من المثقفين والجامعيين والمسؤولين الثقافيين بمصر، الذين انشغلوا بمعارك هامشية تخص اكتشاف الرواية وتحقيقها ونشرها وما إلى ذلك، ولم يفردوا لها التقصي النقدي اللائق.
الحقيقة التي تتعلق بنشر «خطبة الشيخ» لطه حسين، بدون زيادة ولا نقصان، وبدون مبالغات اعلامية بالاعلان عن «مفاجأة القرن» والكشف عن «كنز مجهول»، وما إلى ذلك مما استخدمته آلة الجهة الناشرة (احدى مؤسسات وزارة الثقافة المصرية)، هي أن «دار الكتب والوثائق القومية» قد أخذت على عاتقها خلال العام الماضي نشر مجموعة من مجلدات مجلة «السفور»، التي كان يديرها عبد الحميد حمدى صديق طه حسين. ومن بين ما تضمنته أعداد هذه المجلة خمس عشرة رسالة بعنوان «خطبة الشيخ»، تشكل متن هذا العمل الروائي الذي من المرجح أنه غير مكتمل، وتدور أحداث الرواية المنقوصة في العام 1913، وقد نشرها طه حسين بمجلة السفور ما بين أكتوبر 1916 وأكتوبر 1917، ولم يوضح ان كان في نيته مواصلة النشر، أم أن العمل اكتمل على هذا النحو.
هذا هو الأمر بوصفه المجرد، وبالطبع هو انجاز كبير على الأصعدة الفنية والتاريخية والتوثيقية، لكن تضخيمه من جانب جهة النشر ووصفه بالاكتشاف المهول «القنبلة» أثار بدوره حفيظة نقاد وباحثين آخرين، ممن حاولوا نسبة ذلك «الاكتشاف» إلى أنفسهم، طالما أنه اكتشاف مهول! ومن هؤلاء، الناقد الدكتور جابر عصفور، الذي كتب عدة مقالات لاثبات أحقيته مع آخرين في نفض الغبار عن عمل طه حسين، في حين جاء تصدير حلمي النمنم في مقدمة الرواية ليأخذ القارئ إلى مسار ثالث حول طبيعة وآلية الكشف والتحقيق والنشر، وكأن القارئ يجب أن ينشغل بمعرفة خطوات الكشف عن العمل أكثر من انشغاله بقراءة العمل وتذوقه وتقييمه.لربما كان أقرب إلى المنطق التعبير عن صدور الرواية بأنه من باب «اعادة النشر» وليس الكشف عن عمل مجهول. أما الجدل حول تصنيف العمل، وهل هو عمل روائي أم لا، فانه أيضًا لا يستحق التوقف طويلًا، لأن طه حسين يوضح نيته بأن تكون هذه الرسائل رواية، سواء بشكلها الحالي أو اذا اكتملت في وقت لاحق، وتقطع بنية العمل الدرامية بأن المقصود رواية سردية لا محالة.

غرابة
ولأن الرواية منشورة من قبل في حلقات صحافية، فان الاشتجار حول أحقية اكتشافها أمر لا يخلو من غرابة، سواء من جانب دار الكتب والوثائق، أو من جانب الدكتور جابر عصفور الذي لم يعجبه وصف الحدث بالاكتشاف المهول، ثم شرع ينسبه إلى نفسه وآخرين، يقول: «لا أعرف اذا كان محمود الضبع، الذي كان يشغل منصب رئيس دار الكتب، يعرف أن الدكتور أنور مغيث قد نشر مقالا أو دراسة قصيرة عن روايات جريدة السفور؟ لم يكن من الغريب أن يكتب طه حسين روايته خطبة الشيخ في السفور».ويستطرد عصفور موضحًا أنه كان بصدد نشر هذه الرواية حينما تولي رئاسة دار الكتب: «الأعمال غير المكتملة موجودة في تراث طه حسين، وهي حقيقة يعرفها المتخصصون فيه، وكان من نتيجة ادراكي هذه الحقيقة هو أنني بعد أن توليت الاشراف على دار الكتب والوثائق المصرية (في الفترة من 7/7/1997 إلى 4/3/1998)، كان أول ما فعلته أنني طلبت من صديقي المرحوم رؤوف عباس اعداد مشروع عن استكمال ما لم ينشر من ميراث طه حسين، وما لا يزال موزعًا بين الدوريات المختلفة، سواء في الصحف والمجلات المصرية وغير المصرية. وأسعدني قبول رؤوف عباس ذلك، واستمر المشروع حتى بعد أن تركت الاشراف على دار الكتب للمرحوم ناصر الأنصاري الذي لم يتردد ومن جاءوا من بعده في اكمال المهمة وآخرهم الزميل صابر عرب الذي أوكل مهمة الاشراف على استكمال تراث طه حسين المجهول بعد وفاة رؤوف عباس، رحمه الله، إلى زميلنا العزيز أحمد زكريا الشلق، فواصل الرجل العمل».
ويؤكد جابر عصفور: «كان من المنتظر أن تصدر المجلدات الخاصة بالأدب، سواء الانشائي أو الوصفي اذا استخدمنا مصطلح طه حسين. ورواية خطبة الشيخ تنتسب إلى الأدب الانشائي الذي كتبه طه حسين متابعًا وداعيًا إلى الأفكار والمبادئ التي تبنتها مجلة السفور، والتي تحمس لها مؤسسوها مع صديقهم عبد الحميد حمدي».من جهته، ينفي حلمي النمنم في تصديره لرواية «خطبة الشيخ»، هذا السيناريو الذي ذكره جابر عصفور، قائلًا: «لقد اهتم مشروع جابر عصفور بكتابات طه حسين منذ أواخر العشرينيات، أما كتاباته الأولى في السفور والمجلة والهدي وغيرها، فلم تجد اهتمامًا كبيرًا، وهذا ما تعمل دار الكتب والوثائق القومية على استكماله»!
تساؤلات فنية
بعيدًا عن هذه الأمور المتعلقة بتحقيق ونشر رواية «خطبة الشيخ» للعملاق طه حسين، وتصنيفها فنيًّا، تثار تساؤلات أخرى حول العمل لا تخلو من طابع فني، وأيضًا من أهمية تاريخية. تجيب الرواية بوضوح عن سؤال الأسبقية الزمنية في السرد العربي، فهي لم تسبق رواية «زينب» التي كتبها محمد حسين هيكل في 1912 ونشرها في 1914، حيث ان «خطبة الشيخ» قد نُشرت ما بين 1916 و1917، وتدور أحداثها في 1913، وهناك روايات عربية سبقت العملين، منها: «الفتي الريفي» لمحمود خيرت (1904) و»عذراء دنشواي» لمحمود طاهر حقي (1907)، وأعمال أخرى، وفق ما يوضحه جابر عصفور في قراءته الفنية لرواية طه حسين.
وتكتسب «خطبة الشيخ» أهمية تاريخية من جانب آخر، كونها هي الرواية الأولى لطه حسين في تجربته الابداعية، وقد ألفها في أثناء بعثته إلى فرنسا، ونشرتها مجلة السفور بدءا من العام 1916، حين كان طه حسين يدرس لنيل الدكتوراه من جامعة باريس.وعلى الصعيد الفني، تبدو «خطبة الشيخ»، على أهمية موضوعها وما تطرحه من قضايا مجتمعية تنويرية، رواية غير مكتملة، وهذا يجافي ما يعتقد به جابر عصفور في مقدمته للعمل، وربما يجافي كذلك ما أراده «مكتشفو العمل»، اذ كان سيصعب الاعلان عن «مفاجأة القرن» و»الكشف المهول»، لو جري الاعتراف بأنه عمل منقوص.
ان عدم الاكتمال هنا لا يقلل من أهمية العمل، ويكفي أن الرواية توضح موقف طه حسين، على لسان أبطاله، من قضايا عصره الملحة، كالتنوير وتعليم المرأة والتحرر والمدنية والدور المتراجع للأزهر والأزهريين، على أن ترك النهاية مفتوحة على هذا النحو لا يتسق مع مسار الأحداث، ولا يجيب عن الأسئلة المحورية المطروحة في العمل، بما يكاد يقطع بأنها لم تكتمل، وكان مقررًا أن يضيف اليها طه حسين فصولًا أخرى، لولا انشغالاته التعليمية.
تتكون «خطبة الشيخ» من خمس عشرة رسالة يتبادلها أبطال العمل الخمسة: «احسان»، و»الشيخ علام الجيزاوي» المتقدم لخطبتها، وصديقه «الشيخ زهران فتح الباب»، ووالد احسان «سيد رحمي»، و»أسماء» صديقة احسان. وتكاد تتمحور الأحداث حول تقدم الشيخ الأزهري لخطبة احسان، التي تتردد بين الموافقة والرفض، كونها امرأة متحررة ومتعلمة وعاملة، وتتبادل بعض الخطابات مع صديقتها ووالدها حول هذا الموضوع، كما يفعل الأمر ذاته الشيخ الأزهري مع صديقه زهران، وتنتهي الأحداث فجأة قبل حسم الفتاة موقفها من الشيخ المتقدم لخطبتها.

آراء ومواقف ذاتية
من خلال الرواية، ينخرط طه حسين في طرح آرائه ومواقفه الذاتية من خلال الشخصيات التي ربما تتحدث بألسنتها، لكنها تترجم أفكاره ومعتقداته هو، فالمرأة المثقفة تدافع عن حقوق المرأة وتستعرضها بطلاقة، والشيخ الأزهري يمثل ضيق الأفق والانغلاق والانتهازية والطمع في ثروة عائلة الفتاة التي يرغب في خطبتها، والأب يرمز للتفتح والاعتدال والوسطية، ويحرص على استشارة ابنته وعدم فرض شيء عليها، وهكذا.وعلى الرغم من عدم اكتمال الرواية، على النحو الذي نشرت به، فان من مجالات تميزها وأهميتها أيضًا تلك الآليات الأسلوبية التي اعتمدها طه حسين في كتابتها، حيث استخدم تكنيك الخطابات المتبادلة لصياغة العمل كله، وهي سمة كانت معروفة في الرواية الفرنسية لكنها جديدة آنذاك في السرد العربي، على أن عدم قدرة الكاتب على فصل شخصيته الحقيقية عن أبطال العمل يمثل سمة أخرى تبعد العمل عن الجوهر الروائي بمعناه المتطور.
وفي المحصلة، فان اعادة نشر «خطبة الشيخ» أمر بالغ الايجابية في سبيل توثيق تراث طه حسين واتاحته للقارئ المعاصر، فضلًا عن أهمية تبيان موقعها في خريطة الروايات العربية الأولى، وخريطة تجربة طه حسين السردية كواحد من أبرز الرواد.

غلاف الرواية