خليل الرز: لا يصلحون أبطالاً للروايات كتاباتي محاولة دؤوبة لوضع مسافة بين القارئ وسلطة الحكاية

0 64

القاهرة – آية ياسر:

خليل الرز، أديب سوري من طراز رفيع، ينحو في رواياته إلى أنماط جديدة من التجريب والتجديد، يتمرد على الأشكال والقوالب الروائية المعهودة للرواية العربية الكلاسيكية، تتجلى الرمزية بقوة في أعماله التي تجمع بين السخرية والتراجيديا، وتمزج بين الواقعي والمتخيل. تلقي الفلسفة بظلالها على كتاباته التي لا تخلو من عمق إنساني ورؤية سياسية، تحضر الحرب السورية ومأساة الشعب السوري ثيمة متكررة في كثير من أعماله. كما يحرص على تقديم خطاب روائي مغاير في معظم إبداعاته، التي يمكن تصنيفها ضمن أدب الحداثة وما بعدها؛ اذ يتلاعب ببراعة بتحطيم أفقية الزمن والحوار والمنولوج، وتداخل الزمكانية السردية بلغة عربية صافية.
حول وصول روايته”الحي الروسي”، الى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” لعام 2020، اجرت “السياسة” هذا الحوار مع الأديب، الروائي،والمترجم السوري المقيم في بلجيكا، خليل الرز:

أجمع بين السخرية والتراجيديا في أعمالي لشغفي بالمسرح

لماذا تطغى السلبية على أغلب شخصيات رواية”الحي الروسي”؟
أعتقد أن أبطال الرواية ليسوا سلبيين، إذا نظرنا إليهم من الزاوية التي تطل على ما يعتمل في نفوسهم من اضطراب المشاعر والأفكار والهواجس طيلة الرواية، فإن الإيجابية لم تعنِهم يوماً إذ كانت تؤدي الى انخراطهم في الحرب العبثية الدائرة من حولهم، أو حتى مجرد تسويغها وتسويقها تحت مسمّيات زائفة رنانة، كالدفاع عن حياض الوطن، كما يقولون، أو عن حياض العقيدة.
كيف واجهوا تلك العبثية؟
كان التمسّك بالسلام الهش الركيك، المتاح بصعوبة شديدة، طريقتهم على مدى سنوات، وعندما دُفعوا دفعاً الى الحرب اخترعوا حكايتهم لمواجهتها، حكاية الزرافة وعصفور الصوف المنسوج ويوم”عصام” المجيد.
هل تعمدت تجنب الأبطال النموذجيين المثاليين؟
أولئك الأبطال النموذجيون المثاليون، لم أفكّر يوماً بالكتابة عنهم في”الحي الروسي” أو في كل أعمالي السابقة، أعتقد أن هؤلاء الأبطال لا يصلحون، بالنسبة لي، لأن يكونوا أبطال روايات، يمكن أن يكونوا مناضلين، عميان، متشنّجين دائماً من شدّة إيمانهم بالحقيقة الوحيدة الكاملة التي يدّعونها، كما يمكنهم، ببساطة واندفاع، أن يكونوا قتلة يسطّرون”البطولات” أو قرابين مثيرين للشفقة.
ما الذي رمزت إليه بظهور عصام واختفائه ثم مقتله وجنازته الغرائبية؟
“عصام” بطل شعبي، كان أول وآخر رجل وقف في وجه”بوريا” القويّ المتحكّم بأرزاق الناس في الحي الروسي.
من الطبيعيّ أن يُشركه الناس في حكاياتهم التي اخترعوها عندما وجدوا أنفسهم منزلقين الى الحرب رغماً عنهم، حتى عندما خذلهم عشية ذهابه الى الغوطة، ثم عودته جثةً من هناك، لم يجرأوا على تشويه صورته في نفوسهم.
لماذا؟
ما أرادوا أن يستسلموا لليأس، بل كانوا مصرّين على الذهاب الى نهاية الحكاية ببطلهم “عصام” حتى، ولو كان مجرد جثةً يحملونها على أكتافهم، لم يكن لديهم عندئذٍ سندٌ واقعي لرغبتهم القوية بالحياة سوى اللجوء الى الخيال، فتمكّنوا من الشعور بقدرتهم على الطيران بنعشه الى مكان آمن في السماء، وكادوا، كأنما، يطيرون به لولا ظهور طائرات الهليكوبتر في سماء الحي الروسي.
هل تعتبره شخصية نادرة؟
“عصام” شخص نادر الظهور فعلاً في الرواية، لكنه كان حاضراً بقوة في أذهان الجميع وعلى ألسنتهم في معظم صفحاتها.
لماذا يتغير حجم شخصيته زيادة ونقصاناً في بعض مواضع الرواية؟
كان حجمه كبطل شعبي يزداد في عيون أهالي”الحي الروسي”، مع ازدياد حاجتهم الى الخلاص، ثم ما يلبث أن ينقص حجمه، في عيني الراوي على الأقل، عندما توقع الكارثة التي سيجلبها تشييع جثمانه.
ما التقنية التي اتبعتها لإظهار أصوات الأبطال من الحيوانات؟
احتوت الرواية على خمس أصوات بشرية محورية تتقاسم منصات السرد مع الحيوانات مثل الزرافة،الكلبين”رئيسة بتروفنا”،”موستاش”،القطة غزال، ما أردته في الرواية أن أكرّر ما حدث في كتاب “كليلة ودمنة”، أو في غيرها من الحكايات الأدبية المكتوبة شعراً أو نثراً، اذ تتمتع فيها الحيوانات بالقدرة على الكلام البشريز.
اعتقدتُ أن ذلك سوف يفقدها جاذبيتها الطبيعية لدى القارئ ويجعلها مجرد ناقل للفكرة المُصمّمة المسبقة، مما قد يجعل الأول، أي القارئ، يستعين بخبرته في تلقّي الحيوانات الناطقة، فيبحث عن العظة، أو المغزي الجاهز.
هل حققت الغرض من ذلك؟
كنت حريصاً جداً في اظهارها حيوانات لا أكثر، لأنها تؤدي في الرواية أدواراً رئيسة في تحفيز السرد، كان عليَّ أن أربط ربطاً خيالياً شديد الدقة والرهافة بين بعض سماتها البيولوجية، إشاراتها، حركاتها، وطرائقها في التعبير عن حاجاتها في حياتها الطبيعية وبين مجريات الرواية.
هل درست حياة هذه الحيوانات؟
نعم، كان عليَّ أن أنفق غير القليل من الوقت على الاطلاع على حياة هذه الحيوانات عبر القراءة، بالعربية والروسية، مشاهدة الكثير من برامج الحيوانات، المراقبة الشخصية المباشرة.

الشغف بالمسرح
كيف جمعت بين السخرية والتراجيديا في الرواية؟
إن الجمع بين السخرية والتراجيديا موجود في معظم أعمالي، لعل ذلك يعود الى شغفي بالمسرح، وإفادتي من تقنياته في عمارة روايتي التي لا تقوم على حكاية متسلسلة بقدر ما تنهض على مجموعة مشاهد تزخر بالتفاصيل، وتعدّد الأصوات وحركات الشخصيات التي تُمكّن القارئ من رؤيتها، وليس من قراءتها فقط.
هل تعمدت تشتيت البطل؟
إن تشتّت البطل، بين رفضه لأن يكون مستنسخاً من الآخرين، ومندغماً بهم في كتلة جماعية صمّاء واحدة، وبين حاجته، في الوقت نفسه، الى الانتماء الى جهةٍ لا يكون فيها ذئباً وحيداً في برّية، أعني بين نفوره من الاضمحلال في الآخرين وبين رعبه من السقوط في الفراغ، في مشاهد يحتكّ فيها مع شخصيات مختلفة في كل مرة، منحتني كمؤلف احتمالات لا تحصي للّعب والانتقال، بخفّة بهلوان، بين التراجيديا والهجاء، أو السخرية.
ما فائدة هذا التشتت ؟
هذه الخفّة في التنقل بين شيئين يبدوان على طرفّي نقيض في رواية “بالتساوي”، وفي غيرها من رواياتي كانت، وما تزال، محاولة دؤوبة لوضع مسافة بين القارئ وبين سلطة الحكاية، فلا ينقاد لها ويجري وراءها القارئ ببساطة كما يفعل عادة، ثم يجري استدراجه، في الوقت نفسه، الى المشاركة بتأملٍ، غير معهودٍ ربما إنما شيّق، بالتفاصيل والصور التي أبْسُطُها أمام عينيه.
هل تعمدت تحطيم حركة الزمن المتسلسلة حتى بدا كالمتوقف في روايتك “البدل”؟
تقوم مشاهد رواية”البدل” على استعارة شكلية لفكرة صوفية معروفة؛ اذ أن البدل، بالمفهوم الصوفي، يعد رتبة يتمتع صاحبها بالقدرة على الوجود في أماكن متعدّدة في زمن واحد، لذا فان البطل يتمتع، هو الآخر، بالميزة نفسها لكن بعد تفريغها من حمولتها الصوفية القديمة، هكذا فإن مشاهد الرواية تجري متوازيةً في أمكنة مختلفة، بينما كان بطل الرواية يشارك في أحداثها جميعاً في الوقت نفسه.
هل استفدت من السينما في تصوير ذلك؟
يبدو الأمر كما لو أن مشاهد الرواية تُعرض على القارئ دفعةً واحدة، وليس بصورة متسلسلة، كما اعتاد أن يقرأ في معظم الروايات، لكن في المشهد الثامن من رواية “بالتساوي” كان لي تجربة عكسية؛ اذ تجتمع أزمنة متعدّدة في مكان واحد، حرصت في هذا المشهد على أن أفيد من المونتاج السينمائي، مع إزالة الحدود بين الأزمنة المختلفة في بناء جُمَل النص، فبدا الأمر كما لو أنها تجري كلها من جديد في مكان راهن واحد؛ اذ يوجد البطل الذي كان قد عاشها في الماضي منفصلةً ومتسلسلةً.

انطباعات الغربة
الى أي مدى أثر عيشك في روسيا على انتاجك الأدبي؟
لا شك أن عيشي في روسيا، نحو عشر سنوات، ترك أثراً كبيراً على تكويني المعرفي، من ثم على نتاجي الروائي الذي ظهر فيما بعد، لا أقصد فقط قراءة أساتذتي من الكتاب الروس الكبار بلغتهم، بل كلّ ما أتاحته لي الإقامة في العامة الروسية” موسكو” خصوصا من الفنون والمعارف.
هل تابعت العروض الفنية الروسية؟
إن تكلفة بطاقات حضور العروض المسرحية، حيث يعمل فنانو روسيا العظام، لم تكن مكلفة أبداً، في تلك الأيام، فما كانت تشكّل عبئاً على دخل أي إنسان هناك، فبطاقة دخول مسرح موسكو الفني مثلاً، المسرح الذي أسسه وعمل فيه ستانيسلافسكي، كانت تكلف أكثر بقليل جداً مما يكلف شراء لتر واحد من الحليب.
ماذا عن أسعار المتاحف؟
كذا كانت أسعار الدخول الى المتاحف، قاعات الفيلهارمونيا، السيرك، وحديقة الحيوانات أيضاً.
ما انطباعاتك عن باقي الدول التي أقمت فيها؟
عشت في روسيا فترة طويلة نسبياً، ثم سافرت الى تركيا واليونان، لكن لم تدم إقامتي في هذين البلدين أكثر من سنة وبضعة شهور، فقد خرجت منهما بمجموعة من الانطباعات الموحية عن بعض الأماكن التي عشت فيها وبعض الأشخاص الذين التقيتهم وعدد قليل من الحوادث الفارقة التي شهدتها هناك قد تظهر في روايات مقبلة، كذلك الأمر بالنسبة لبلجيكا، التي أقيم بها منذ ثلاث سنوات تقريبا.

You might also like